سيد قطب.. من نعيم التفكير إلى جحيم التكفير
إن (سيد قطب) هو من حوّل فكرة (حسن البنا) من إطارها الغامض والمتردد إلى مشروع صدامي صريح، يقوم على التكفير والقطيعة مع المجتمع، فبينما زرع (البنا) البذرة الأولى بخلطه بين الدين والسياسة، وجعل الحكم أصلا من أصول العقيدة، أخرجها (قطب) إلى العلن في صورة نظرية مكتملة تشرعن العنف والدماء.
لم يكن تناول فكر (سيد قطب) هجومًا على شخصه، بل تفكيكًا علميًّا لأفكار ما زالت تؤثر في واقعنا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، فكل من رفع السلاح في عالمنا الإسلامي اليوم يعود فكره مباشرة أو ضمنيًّا إلى ما خطه (سيد قطب)؛ الذي أعتبره المنْجَم الأكبر الذي خرجت منه تيارات التطرف باسم الدين؛ ففكر الرجل يقوم على رؤية شاملة ترى المجتمعات الإسلامية الحديثة جاهليةً خارجةً عن الإسلام، وترى أن إقامة حكم الله لا يكون إلا عبر الصدام والثورة، لا الدعوة والعلم والإصلاح.
ونؤكد أن نقد الأفكار لا يعني النيل من الأشخاص، بل هو واجب علمي وشرعي، كما كان علماء الحديث ينتقدون روايات آبائهم وتلاميذهم دون أن يمس ذلك مكانتهم، وهدفي هو فحص المناهج التي أنتجت العنف باسم الدين، لا تجريح الأموات أو تصفية الحسابات التاريخية.
إن (سيد قطب) في ضوء تحليل الفيلسوف (عبد الرحمن بدوي) يمثل نموذج "الشخصية القلقة" التي أحدثت انقسامًا فكريًّا حادًّا بين من رآه مصلحًا مجددًا، ومن اعتبره منبع الفتنة الفكرية، بخلاف شخصيات اتفقت الأمة على علمها وزهدها كالإمام (النووي)؛ وشخصيات أخرى كـ(ابن تيمية) و(سيد قطب) خرج من رحم فكرهم تياراتٌ تميل إلى الغلو والصدام.
بدأ (قطب) مسيرته ناقدًا أدبيًّا قريبًا من (طه حسين) و(العقاد)، دون أي توجه ديني واضح، حتى انضم بعد ثورة يوليو إلى جماعة الإخوان المسلمين باحثًا عن زعامة فكرية، غير أن أفاعيله المنتهية بالسجن الطويل والتجربة الحياتية شكّلت نقطة التحول الكبرى التي أنضجت فكر التكفير والجاهلية في كتابيه الأشهر: «في ظلال القرآن» و«معالم في الطريق».
وقد كتب (سيد قطب) أغلب مؤلفاته في السجن، لذا أصفه بـ«فقه السجون»، وهو فقهٌ لا يُعتد به؛ لأن الإنسان في محبسه يعيش حالة من الاضطراب والغضب، فلا يمكن اعتماد ما يصدر عنه من أحكام دينية مطلقة.
ومن مؤلفاته كتاب «في ظلال القرآن» فرغم جمال أسلوبه، وبلاغته الأدبية، إلا أنه يحوي صفحات تنضح بفكر خطير؛ حيث يصور المجتمعات الإسلامية بأنها جاهلية، فقال: "إن الإسلام انقطع وجوده منذ قرون، وإن من يرفع الأذان اليوم أشد إثمًا من الكافر لأنه يردد الشهادتين بلا مدلول". تلك العبارات كانت اللبنة الأولى التي أسست لتكفير المجتمعات الإسلامية، ومنها خرجت كل الجماعات التي حملت السلاح في ما بعد.
أما «معالم في الطريق» فهو النسخة المختصرة والمكثفة من فكر الظلال؛ فقد صار مرجعًا لكل الحركات المتطرفة من «التكفير والهجرة» إلى «القاعدة» و«داعش»، والخطأ الذي وقعت فيه المؤسسات الدينية والثقافية أنها ركزت الرد على «المعالم» وأهملت «الظلال» الذي يُعد الجذر العميق للفكر التكفيري.
ومن أخطر ما كتبه سيد قطب قوله: "إن الإسلام انقطع وجوده منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق الأرض جميعًا"، وهو قول يعني عمليًّا تكفير الأمة عبر القرون وإنكار حديث النبي ﷺ: «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم الدين». فمعنى هذا القول أن البشرية تحتاج إلى نبي جديد، وهو ما يصطدم بعقيدة ختم النبوة وبقاء الأمة المحمدية إلى يوم القيامة.
بل إن بعض رموز الإخوان أنفسهم مثل الشيخ (يوسف القرضاوي) اعترفوا بأن (سيد قطب) انتهى إلى "أفكار غير منضبطة على نهج أهل السنة والجماعة"، وأن فكره ألهم المتطرفين كـ(أيمن الظواهري) و(شكري مصطفى)، الذين وجدوا فيه مبررًا شرعيًّا للعنف.
وقد وصف النبي ﷺ هذه الظاهرة وصفًا دقيقًا حين قال في حديث نبوي شريف: «إنَّ ما أَتَخوَّفُ عليكم رجلٌ قَرَأ القرآنَ حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجتُه عليه، وكان رِدْئًا للإِسلام، غَيَّرَه إلى ما شاء الله، فانْسَلَخَ مِنْه ونَبَذَه وراءَ ظَهْرِه، وسَعَى على جاره بالسَّيف، ورمَاه بالشِّرك»، فهذا الحديث يصور من يقرأ القرآن بظاهر الحماسة والغيرة على الدين، لكنه ينقلب على جوهره فيتحول إلى مصدر فتنة وتكفير وعدوان.
فالأزمة ليست في النصوص، بل في النفوس التي تقرؤها، فكم من حافظ للقرآن أو داعية يملك البيان لكنه قاسٍ في سلوكه، معتدٍ على الناس، كاذب في قوله، غليظ في حكمه.
وهذا الانفصال بين ظاهر التدين وجوهر الرحمة هو ما سمح بظهور نماذج «عابدين مكفرين»، من (حسن البنا) و(سيد قطب) إلى (داعش) و(بوكو حرام)؛ حيث خُطف القرآن من سياقه النبوي الرحماني إلى سياق الغلو والعنف.
ختامًا؛ فإن مواجهة الإرهاب لا تكون بالسلاح وحده، بل بتفكيك جذوره الفكرية ومراجعة رموزه بميزان العلم والشرع. فالأفكار لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى ما لم تُكشف وتُفنَّد، و(سيد قطب) لم يمت بعد؛ إذ لا يزال فكره يوجّه كثيرين ممن يرفعون السلاح باسم الإسلام في أماكن شتى، وإعادة قراءة تراثه نقديًّا ليست هجومًا على الماضي، بل دفاعًا عن حاضر الأمة ومستقبلها، وعن حق الدين في أن يبقى رحمةً لا نقمةً، ونورًا لا سيفًا.



