يُعَدّ الجهل من أخطر الأعداء التي تواجه الإنسان، فهو سببٌ لكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. ومواجهة الجهل ليست مجرد مهمة تعليمية، بل هي معركة حضارية لبناء الأمم وتقدّم الشعوب.
جاء الإسلام في زمنٍ انتشر فيه الجهل والخرافات والظلم، فكان أول ما بدأ به نورَ العلم؛ العلم الذي يرفع الإنسان، ويحرّر العقل، ويهدي القلب. لذلك جعل الإسلام محاربة الجهل أساسًا لبناء الفرد والمجتمع.
وكان افتتاح رسالة الإسلام بكلمة "اقْرَأْ" إعلانًا واضحًا بأن الإسلام دينُ علم، وأن دعوته تبدأ بتحرير الإنسان من الجهل. قال تعالى:
"هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ".
كما جعل الإسلام العلم طريقًا للرفعة:
"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ".
وبذلك حارب الجهل بإعلاء مكانة العلماء، ليكونوا قدوة في الهداية والفهم الصحيح.
كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة، حيث قال:
"طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلم".
فبهذا الحديث تحوّل العلم من خيار إلى واجب، وصارت محاربة الجهل مسؤولية كل فرد في الأمة. ولم يحصر الإسلام العلم في الرجال وحدهم؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها من كبار علماء الأمة، يقصدها الصحابة لطلب العلم.
وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد المسلمين الأوائل، ظهرت المساجد كمراكز علم، وبرزت الكتاتيب لتحفيظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة، وبيوت العلماء كمجالس نهضة ومعرفة. ثم عبر القرون نشأت المدارس والجامعات العريقة مثل الأزهر الشريف في مصر والقرويين في المغرب.
وقد حارب الإسلام الجهل عمليًا؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصحح المفاهيم، ويشرح الدين بلطف، ويزيل المعتقدات الجاهلية. وأمر الله تعالى بالسؤال باعتباره وسيلة للقضاء على الجهل، فقال:
"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
فالسؤال في الإسلام عبادة، لأنه يزيل الجهل ويقوي العلم.
ولا تُقبل العبادات دون علم، فلا صلاة صحيحة بلا معرفة أحكامها، ولا عبادة بلا فهم. ولهذا وجب محاربة الأمية. وفي غزوة بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم فِدية بعض الأسرى أن يعلّموا المسلمين القراءة والكتابة، في دليلٍ عملي على أن العلم أساس نهضة المجتمع.
كان الإسلام إذن رسالةَ نور، أخرجت الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية والعلم.
وعندما يضع المجتمع العلم في مقدمة أولوياته تكون النتيجة: زيادة الوعي، والحد من التطرف والشائعات، وارتفاع الإنتاجية والتقدم العلمي، وتحسين العلاقات الاجتماعية، وبناء جيل قادر على التفكير والابتكار.
إن محاربة الجهل ليست شعارًا، بل مشروعُ حياة. وهي مسؤولية الأفراد والحكومات والمؤسسات والعلماء. وكل خطوة نحو العلم هي خطوة نحو مجتمعٍ أقوى، وأمةٍ أكثر وعيًا وقدرةً على مواجهة التحديات.
محمد صلاح



