من الحلم إلى الفوضى: حين يختلط الدين بالسياسة

الدكتور أسامة الأزهري
الدكتور أسامة الأزهري

إذا أردنا أن نلخص الإرث الذي تركه حسن البنا في كلمة واحدة، فالكلمة هي "الندم"؛ لأن المنظومة التي تخيل أنه نجح في تأسيسها قد انهارت، والفكرة التي أرادها نهضةً تحولت إلى فوضى فكرية وتنظيمية، خرجت منها رؤوس متعددة تتنازع فيما بينها دون علم ولا رؤية.

لقد ترك البنا وراءه إرثًا شديد التعقيد، فيه من التكفير والعنف والفرح بالقتل ما شوّه صورة الدين، وجعل جماعته ميدانًا للانقسامات والخصومات. هذا الإرث لم يولد صدفة، بل كان نتيجة خطأ فكري أصيل، هو خلط الأصول بالفروع، والدين بالسياسة، فصارت مسألة الحكم تُعامل كأنها من أصول العقيدة، لا من فروع الشريعة، وهو انحراف علمي خطير أدى بمرور الزمن إلى نتائج كارثية.

وقد حذر العلماء قديمًا من هذا الخلط؛ لأن الدين لا يُبنى على الانطباعات أو الحماسة، بل على العلم الراسخ. ولذا افتتح الإمام البخاري كتابه بباب «العلم قبل القول والعمل»؛ لأنه الأساس الذي يقوم عليه كل بناء متين، غير أن حسن البنا أسس جماعته دون قاعدة علمية واضحة، ولم يرتكز على عمقٍ فقهي أو رؤية شرعية ناضجة كالتي كانت لدى علماء الأزهر الذين قضوا أعمارهم في طلب العلم قبل أن يخوضوا في شئون المجتمع.

ولذا فقد انطلق البنا بحماسةٍ كبيرة وإخلاصٍ للدين، لكنه افتقد أدوات الفهم العميق لمقاصد الشريعة والواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه، ومن ثم لم يستطع توليد الأجوبة الشرعية الصحيحة عن الأسئلة الجديدة، فدخلت الجماعة في تخبطٍ طويل، أقرّ به في أواخر حياته حين ندم على انخراطه في السياسة وتمنى العودة إلى العمل الدعوي التربوي الخالص، كما نقل عنه أبو الحسن الندوي ومحمود عبد الحليم.

لكن الوقت كان قد فات، فنتيجة لغياب العلم والتأصيل، ظهرت داخل الجماعة عشرات الرؤوس التي نازعت البنا القيادة أمثال: صلاح شادي، وعبد الرحمن السندي، وأحمد رفعت وغيرهم، كلٌّ منهم ادّعى امتلاك الحق، وبعضهم ادّعى رؤية النبي يقظةً! وتحوّلت الجماعة إلى صراع داخلي مرير، بل إن السندي – كما نقل الشيخ الشعراوي – دفع حسن البنا في مشهد مهين يعكس انحدار البنية الأخلاقية والتنظيمية للجماعة.

تتابعت الفتن حتى انتهى الأمر إلى تكفيرٍ متبادل واتهامات بالخيانة والفساد، وسقطت الجماعة في مستنقع العنف والاغتيالات، وقد وصف الشيخ أحمد شاكر مقتل النقراشي باشا على يد أحد أفراد الإخوان بأنه «عمل خارجي خبيث»، بينما سجّل خالد محمد خالد أنه التقى القاتل فرأى فيه تباهيًا بالجريمة، أما الشيخ محمد الغزالي فحذّر من أن يعيد الإخوان إنتاج فكر الخوارج الذين استأثروا بالدين وكفّروا خصومهم.

منذ ذلك الحين، انكشفت أزمة الإخوان التي لم تكن في السياسة فقط، بل في المنهج: حماسٌ بلا علم، انفعال بلا بصيرة، وجهل بمقاصد الشريعة وتعقيد الواقع، فبدل أن تكون الجماعة مدرسةً في التربية والفكر، تحولت إلى كيانٍ سياسيٍّ صداميٍّ يستبدل الفقه بالشعار، والبحث العلمي بالولاء التنظيمي.

لقد فطن كثير من علماء الأزهر إلى خطر هذا المنهج؛ فالشيخ المراغي – الذي كان في بداياته يأمل خيرًا في البنا – طالب لاحقًا بحل الجماعات الدينية كلها، وفي مقدمتها الإخوان؛ لأنها استباحت الفتوى والدعوة بغير علم. وجاء بعده علماء كبار كعبد الله دراز والسبكي؛ ليؤكدوا أن الإخوان انحرفوا عن منهج العلماء الراسخين، بل إن شيخه الصوفي عبد الوهاب الحصافي – الذي تتلمذ عليه البنا ثم انحرف عنه – حذره منذ البداية قائلًا: «هذا الطريق سيكلف الناس ما لا يطيقون ولن يفضي إلى خير»، وتنبأ له بأن يُقتل جزاءً لعناده - كما روى تلميذه القليوبي -، غير أن البنا فهم النصيحة بعكسها ومضى في طريقه، معتدًّا برأيه، حتى كانت النهاية التي شهدها التاريخ.

من هنا يمكن القول إن إرث حسن البنا لم يكن فكرًا مؤسسًا على العلم، بل حركة انطلقت من العاطفة وانتهت إلى العنف. ترك وراءه تنظيمًا يخلط بين الدين والسياسة، ويستأثر بالإيمان لنفسه، ويرى الآخر خارج دائرة الإسلام، ومع مرور الزمن، أنتج هذا المنهج أجيالًا من الجماعات المتطرفة، حملت السلاح ورفعت راية التكفير.

كان يمكن لحسن البنا أن يكون مجددًا لو أنه التزم منهج العلماء وتواضع للعلم، لكنه اختار طريق الحماسة لا الحكمة، ففتح الباب لفكرٍ خارجيٍّ جديد بثوبٍ عصري. ومن ثمّ، فإن إرثه الحقيقي – كما قال بعض الباحثين – هو الفوضى الفكرية والتنظيمية التي ما زالت آثارها تعصف بالعالم الإسلامي حتى اليوم.

إن الدرس الأهم من تجربة حسن البنا هو أن العلم قبل الدعوة، والعقل قبل العاطفة، والرؤية قبل الحركة، فكل مشروعٍ ينهض على الحماسة دون علم مصيره الانهيار، وكل دعوةٍ تتغافل عن مقاصد الشريعة تتحول إلى وبالٍ على الأمة. ولذلك فإن الكلمة التي تلخص إرث حسن البنا حقًّا هي الندم، ندمه هو على ما فرّط فيه، وندم الأمة على ما جره فكره من انقسام ودماء

 

ترشيحاتنا