القنوات الهدامة ووسائل التواصل الاجتماعي: تيار جارف يهدد القيم

 محمود فوزي
محمود فوزي

بقلم: محمود فوزي

كانت وسائل الإعلام (المرئية والمسموعة) في الماضي تخصص مساحات واسعة للبرامج الدينية والتربوية التي تعزز الأخلاق وتحث على السلوك الحسن، وكان يتم ذلك تحت إشراف لجان تقويم. أما اليوم، أصبح المحتوى الذي يحقق أعلى نسب مشاهدة هو المحتوى المعتمد على الإثارة الرخيصة، والسطحية، ونمط الحياة الاستهلاكي المفرط، والذي يظهر في القنوات الخاصة التي تهدف إلى الربح المادي فقط، دون النظر إلى نوعية المحتوى وقيمته الحقيقية.

وبدلًا من تسليط الضوء على العلماء، والمربين، والأشخاص الذين يتميزون بالكفاح والأخلاق العالية، أصبح التركيز على "المشاهير" الذين قد يفتقرون إلى أدنى معايير القدوة الأخلاقية، مما يُرسخ لدى النشء أن الشهرة والثروة أهم من القيمة والأخلاق.

يتم تقديم هذه النماذج، التي تتعارض مع قيم المجتمع ودينه، في سياق درامي جذاب أو كوميدي مقبول، مما يؤدي إلى تطبيع تدريجي لهذه السلوكيات في وعي الأجيال الجديدة.

وسائل التواصل الاجتماعي: الفلتر المفقود والفوضى العارمة

تشكل وسائل التواصل الاجتماعي تحديًا أكبر بكثير، فهي بيئة بلا حواجز أو فلاتر، وتعمل وفق خوارزميات تفضّل المحتوى المثير للجدل أو الصادم لضمان بقاء المشاهد لأطول فترة ممكنة أمام الأطفال والمراهقين، الذين يتعرضون لمحتوى ينافي القيم دون إشراف كافٍ. هذا يجعلهم يتلقون الرسائل من مؤثرين لا يبالون بالقيم، فتُعامَل القضايا الأخلاقية بخفة وسخرية، مع انتشار التنمر الإلكتروني، والشتائم، والجرأة على كبار السن والمعلمين ورجال الدين دون خوف من عواقب فورية.

الحل: استثمار المنصة وتوجيه الوعي

إنتاج محتوى قيمي جذاب: يجب على المربين والمؤسسات الدينية إنتاج محتوى رقمي عصري وجذاب، ينافس محتوى الإثارة في جودته البصرية، لكنه يقدم قيمًا إيجابية وأخلاقًا مستمدة من الدين.

تعليم الوعي الرقمي: يجب أن يصبح "الوعي الرقمي" و"الأخلاقيات الرقمية" جزءًا أساسيًا من المناهج المدرسية والتربية الأسرية، لتعليم النشء كيفية التمييز بين الغث والسمين.

تمكين القدوة الصالحة: دعم المؤثرين الذين يمثلون نموذجًا حقيقيًا للأخلاق والنجاح المستند إلى القيم، وإبرازهم كبديل للقدوات السطحية.

إن تأثير الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي هو تحدٍ لا يقل أهمية عن تراجع دور الأسرة والمدرسة، ويتطلب تدخلًا واعيًا ومدروسًا لحماية جيل المستقبل من تياراته الجارفة.