أخطار المشروع الصهيوني: التاريخ والواقع والمستقبل «3»

د. إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية الأمين العام للأمانة العامة
د. إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية الأمين العام للأمانة العامة

بقلم: د. إبراهيم نجم
مستشار مفتي الجمهورية الأمين العام للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم


إن انعكاسات المشروع الصهيوني على الأمن القومي المصري عميقة ومتعددة المستويات. فعلى المستوى العسكري المباشر، خاضت مصر أربع حروب كبرى ضد إسرائيل (1948، 1956، 1967، 1973) دفاعا عن أرضها وحقوق العرب، مما كبدها خسائر جسيمة في الأرواح والموارد وفرص التنمية. ورغم معاهدة السلام التي جنبت مصر ويلات الحروب المباشرة طيلة العقود الأخيرة، إلا أن الخطر الأمني لم يختفِ، بل اتخذ أشكالا أخرى أكثر تعقيدًا.
 

وقد بدأت الأزمة الاقتصادية في إسرائيل بسبب كلفة الحروب والسياسات المتطرفة تنعكس على المنطقة. ففي حرب غزة الأخيرة، تعطلت سلاسل التوريد وأُغلقت المعابر أحيانًا، مما أثّر على حركة التجارة من وإلى مصر عبر الأراضي المحتلة. كما اهتزّت الثقة باستقرار بيئة الاستثمار في المنطقة ككل. إن أي تراجع للاستقرار الأمني بسبب السياسات الصهيونية يُضعف فرص الازدهار الاقتصادي الإقليمي الذي تطمح إليه مصر عبر مشروعات كبرى  "كخطط الربط الكهربائي أو الغاز مع دول المشرق" . وعلى صعيد البحر الأحمر، تسعى إسرائيل للتموضع عسكريًا  "قواعد في إرتريا وغيرها" مما قد يؤثر على أمن الملاحة في قناة السويس شريان الاقتصاد المصري.

الانعكاسات المستقبلية المحتملة

الحرب على الوعي ستشتد. إسرائيل تدرك أنه رغم قوتها العسكرية، فإن الخطر الحقيقي على مشروعها يأتي من صمود الوعي العربي الرافض لها. لذلك ستضاعف جهودها الإعلامية والدعائية لاختراق العقول، خاصة لدى الشباب، في محاولة لتطبيع وجودها وكسر الصورة السلبية عنها. المستقبل قد يشهد ازدياد المحتوى الموجّه للمصريين عبر منصات التواصل والمنابر الثقافية لإقناعهم بأن إسرائيل “شريك في السلام والازدهار” وليس عدوًا. هذه المعركة الناعمة لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية، لأن نجاحها يعني تقبّل الأجيال القادمة للمشروع الصهيوني وتخليها عن ثوابتها التاريخية.

مع ذلك، هناك نقاط مضيئة تلوح في الأفق. فالمشروع الصهيوني رغم كل جبروته يواجه أزمات داخلية وبوادر أفول. التقارير تشير إلى أزمة هوية تعصف بإسرائيل، وانقسامات مجتمعية حادة، وأزمات سياسية واقتصادية خانقة . كما أن المقاومة الفلسطينية أثبتت قدرة على الصمود واستنزاف المحتل، مما قد يجعل إسرائيل أكثر انعزالًا وتوجسًا. بعض المراقبين يذهبون إلى أن المشروع الصهيوني لن يستطيع الاستمرار طويلًا بنفس الاندفاع، خاصة إن بقيت الشعوب العربية واعية ومتأهبة. فوعي الشعوب هو خط الدفاع الأخير؛ متى ما فشلت إسرائيل في اختراقه، ستبقى غريبة في محيطها، عاجزة عن فرض هيمنتها الكاملة.

ختامًا، إن أخطار المشروع الصهيوني على مصر ليست أوهامًا ولا مبالغات خطابية، بل هي حقائق موثقة في كتب ودراسات وتصريحات لمسؤولين  . هذا المشروع الذي تأسس على اغتصاب أرض فلسطين وتعميق الانقسام العربي، يشكّل بطبيعته تهديدًا لأمن مصر القومي وللسلام الإقليمي. فالتاريخ علّمنا أن كلما تمدد النفوذ الصهيوني ضعفت حلقات الأمن العربي، وأن أي تفريط أو تراخٍ في مواجهته سياسيًا وفكريًا يجرّ وراءه ثمنًا غاليًا تدفعه الأجيال القادمة.

إن الوعي الشعبي هو السلاح الأمتن في التصدي لهذه الأخطار. على المواطنين أن يدركوا أبعاد المشروع الصهيوني تاريخيًا وواقعًا، بعيدًا عن التهويل ولكن أيضًا بعيدًا عن السذاجة. فالوعي المستنير يضمن التفاف المصريين حول ثوابت أمنهم القومي، ويدفعهم لدعم مواقف دولتهم حين تدافع عن الحقوق العربية وترفض التوطين أو التهجير أو التفريط بالسيادة. كما أن نشر الوعي يعزّز المناعة الثقافية في وجه محاولات الاختراق والتطبيع الزائف. في نهاية المطاف، الرهان معقود على شعوبنا بأن تبقى يقظةً ومدركةً أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بزوال جوهر الخطر الذي يمثله المشروع الصهيوني، وباستعادة الحقوق المغتصبة. وحتى ذلك الحين، ستظل مصر بقيمتها التاريخية والجيوسياسية صمّام أمان الأمة العربية، وحائط الصد الأول في مواجهة كل ما يهدد أمن المنطقة ومستقبلها . والحفاظ على هذا الدور يبدأ بالوعي وينتهي بالعمل الجماعي الحكيم على كافة المستويات.