بقلم: ابراهيم نجم
إن انعكاسات المشروع الصهيوني على الأمن القومي المصري عميقة ومتعددة المستويات. فعلى المستوى العسكري المباشر، خاضت مصر أربع حروب كبرى ضد إسرائيل (1948، 1956، 1967، 1973) دفاعًا عن أرضها وحقوق العرب، مما كبّدها خسائر جسيمة في الأرواح والموارد وفرص التنمية. ورغم معاهدة السلام التي جنبت مصر ويلات الحروب المباشرة طيلة العقود الأخيرة، إلا أن الخطر الأمني لم يختفِ، بل اتخذ أشكالًا أخرى أكثر تعقيدًا.
أحد هذه الأخطار يتمثل في الخطط الصهيونية لتفتيت الدول العربية ومن بينها مصر. لقد كشفت دراسات استراتيجية إسرائيلية أن بعض منظري الصهيونية رأوا في وحدة مصر وقوّتها تهديدًا بعيد المدى لإسرائيل. على سبيل المثال، قدّم الخبير الإسرائيلي عوديد ينون عام 1982 خطة تقضي بتقسيم مصر إلى دويلات على أسس طائفية وإثنية (دولة للمسيحيين الأقباط في الشمال، وأخرى للنوبيين في الجنوب، ودولة للمسلمين في القاهرة، وأخرى تحت النفوذ الإسرائيلي) . وهذه ليست مجرد أفكار نظرية؛ فاستراتيجية “شد الأطراف ثم بترها” كانت نهجًا إسرائيليًا في التعامل مع أقليات المنطقة . بمعنى إقامة جسور مع جماعات منفصلة الهوية ثم تشجيعها على الانفصال عن دولها . وفي حالة مصر، ورغم تماسك نسيجها الوطني، لا يمكن الاستهانة بمحاولات بث الفتن الطائفية أو استغلال التوترات (كما حدث في فترات سابقة من فتنة طائفية محدودة) خدمةً لهذا الهدف الخبيث.
خطر آخر بالغ الأهمية يتعلق بالموارد الحيوية المصرية وعلى رأسها مياه النيل. تدرك إسرائيل أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل في الشرب والزراعة والصناعة. ومنذ سنوات، تلعب إسرائيل دورًا خفيًا في دعم مشروع سد النهضة الإثيوبي بما يحقق مصلحتها في إضعاف مصر. تفيد تقارير استراتيجية بأن إسرائيل تعتبر إضعاف مصر هدفًا لضمان أمنها، وذلك عبر حرمانها أو التأثير على مواردها الأساسية ومنها مياه النيل . وقد أوصى خبراء إسرائيليون بإبقاء مصر في حالة وهن اقتصادي (من خلال ضرب مواردها) وإغراقها في مشاكل أمنية كالإرهاب في سيناء والنزاعات الحدودية، حتى لا تستعيد عافيتها الإقليمية . نهر النيل نفسه لم يكن بعيدًا عن أحلام الصهيونية المبكرة؛ فقد طرح هرتزل عام 1903 مشروعًا لجرّ مياه النيل إلى صحراء النقب . واليوم، تنظر إسرائيل لسد النهضة كوسيلة لحصار مصر استراتيجيًا عبر التحكم بمصدر حياتها المائي . هذا التهديد يعتبر أخطر ما يكون على ازدهار مصر واستقرارها؛ فالمياه مسألة أمن قومي مصيري، وأي ضغط على هذا المورد قد يعرّض ملايين المصريين للخطر ويقيّد نمو الاقتصاد الزراعي والصناعي.
وتتجلى خطورة المشروع الصهيوني على أمن مصر أيضًا في احتمالات اندلاع أزمات حدودية مباشرة. خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة (أكتوبر 2023)، كادت نيران الحرب تطال الأراضي المصرية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن إحدى دباباته قصفت موقعًا مصريًا حدوديًا عن طريق الخطأ خلال العمليات، ما أدى إلى إصابة بعض الجنود المصريين بجروح طفيفة . مثل هذه الحوادث تدق ناقوس الخطر؛ إذ تضع الجيش المصري في حالة تأهب وتوتر على الحدود. كما أن الضربات الإسرائيلية قرب معبر رفح أدت لإغلاقه مرارًا وعطّلت إدخال المساعدات، مما شكّل ضغطًا سياسيًا وأمنيًا على القاهرة . وبالتزامن، برزت مخاوف مصرية شديدة من مخطط تهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء تحت وطأة القصف. وقد حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صراحةً من أن أي محاولة لفرض تهجير كهذا تعتبر خطًا أحمر وتهديدًا للأمن القومي المصري والعربي . هذا التصريح الرسمي في فبراير 2025 جاء ليؤكد أن القاهرة ترى في سياسات التفريغ السكاني التي يدفع بها بعض قادة إسرائيل خطرًا استراتيجيًا يستهدف مصر كما يستهدف فلسطين.
الواقع الراهن والتحديات
في السنوات الأخيرة، تواجه مصر تحديًا مركبًا: كيف تحافظ على مكاسب السلام النسبي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تتصدى للتمدّد الصهيوني بأشكاله المختلفة؟ فعلى الصعيد الرسمي، تلتزم مصر بمعاهدة السلام وتعتمد الدبلوماسية في دعم الحقوق الفلسطينية وتجنب الانجرار لصراع مفتوح. لكن الواقع يشهد تصاعد التوتر الإقليمي نتيجة السياسات الإسرائيلية. فاستمرار الاحتلال والقمع في الأراضي الفلسطينية المحتلة يضع مصر في موقف حرج بين تعهداتها الدولية وتعاطف شعبها العميق مع الفلسطينيين. وقد بدا ذلك جليًا خلال حرب غزة 2023، حيث خرجت مظاهرات غاضبة في الشارع المصري تضامنًا مع غزة ورفضًا للعدوان الإسرائيلي، مما اضطر القيادة المصرية لاتخاذ نبرة حازمة مع إسرائيل. وأعادت القاهرة التأكيد مرارًا أنه لا تنازل أبدًا عن حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كضمان وحيد للسلام الدائم .
إقليميًا، هرولت بعض الدول نحو التطبيع في إطار ما سمي “اتفاقيات إبراهام”، ما أدى إلى تصدع الموقف العربي الموحد تاريخيًا تجاه القضية الفلسطينية. هذا التطبيع المجاني شجّع إسرائيل على المزيد من التشدد، ظنًا منها أن البيئة العربية أصبحت أكثر تقبلًا لها. لكن مصر التزمت خطًا متوازنًا؛ فهي وإن لم تعارض تفاهمات الآخرين السيادية، إلا أنها حافظت على ثوابتها: دعم الحقوق الفلسطينية ورفض تحويل التطبيع إلى قبول بانتهاك الحقوق. وكان لمصر دور محوري في التهدئة بقطاع غزة بعد كل جولة تصعيد، بما يحمي استقرار المنطقة ويجنّبها الانفجار. ومع ذلك، فإن الواقع الحالي ينبئ بتحديات جديدة؛ فإسرائيل اليوم بقيادة حكومة يمينية متطرفة تواصل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية دون هوادة، وتقنن تهويد القدس، وترفض أي خطوات جدية نحو السلام. هذا التعنت يهدد بانهيار حل الدولتين، وبالتالي يبقي جذوة الصراع مشتعلة. ووجود صراع مفتوح على حدود مصر الشرقية يعني استمرار خطر انجرار مصر لمواجهة غير مباشرة، سواء عبر تدفق اللاجئين أو نشاط جماعات مسلحة أو اضطرارها لتحركات عسكرية لحماية حدودها.
من جانب آخر، الأزمة الاقتصادية في إسرائيل بسبب كلفة الحروب والسياسات المتطرفة بدأت تنعكس على المنطقة. ففي حرب غزة الأخيرة، تعطلت سلاسل التوريد وأُغلقت المعابر أحيانًا، مما أثّر على حركة التجارة من وإلى مصر عبر الأراضي المحتلة. كما اهتزّت الثقة باستقرار بيئة الاستثمار في المنطقة ككل. إن أي تراجع للاستقرار الأمني بسبب السياسات الصهيونية يُضعف فرص الازدهار الاقتصادي الإقليمي الذي تطمح إليه مصر عبر مشروعات كبرى (كخطط الربط الكهربائي أو الغاز مع دول المشرق). وعلى صعيد البحر الأحمر، تسعى إسرائيل للتموضع عسكريًا (قواعد في إرتريا وغيرها ) مما قد يؤثر على أمن الملاحة في قناة السويس شريان الاقتصاد المصري.
الانعكاسات المستقبلية المحتملة
الحرب على الوعي ستشتد. إسرائيل تدرك أنه رغم قوتها العسكرية، فإن الخطر الحقيقي على مشروعها يأتي من صمود الوعي العربي الرافض لها. لذلك ستضاعف جهودها الإعلامية والدعائية لاختراق العقول، خاصة لدى الشباب، في محاولة لتطبيع وجودها وكسر الصورة السلبية عنها. المستقبل قد يشهد ازدياد المحتوى الموجّه للمصريين عبر منصات التواصل والمنابر الثقافية لإقناعهم بأن إسرائيل “شريك في السلام والازدهار” وليس عدوًا. هذه المعركة الناعمة لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية، لأن نجاحها يعني تقبّل الأجيال القادمة للمشروع الصهيوني وتخليها عن ثوابتها التاريخية.
مع ذلك، هناك نقاط مضيئة تلوح في الأفق. فالمشروع الصهيوني رغم كل جبروته يواجه أزمات داخلية وبوادر أفول. التقارير تشير إلى أزمة هوية تعصف بإسرائيل، وانقسامات مجتمعية حادة، وأزمات سياسية واقتصادية خانقة . كما أن المقاومة الفلسطينية أثبتت قدرة على الصمود واستنزاف المحتل، مما قد يجعل إسرائيل أكثر انعزالًا وتوجسًا. بعض المراقبين يذهبون إلى أن المشروع الصهيوني لن يستطيع الاستمرار طويلًا بنفس الاندفاع، خاصة إن بقيت الشعوب العربية واعية ومتأهبة. فوعي الشعوب هو خط الدفاع الأخير؛ متى ما فشلت إسرائيل في اختراقه، ستبقى غريبة في محيطها، عاجزة عن فرض هيمنتها الكاملة.
ختامًا، إن أخطار المشروع الصهيوني على مصر ليست أوهامًا ولا مبالغات خطابية، بل هي حقائق موثقة في كتب ودراسات وتصريحات لمسؤولين . هذا المشروع الذي تأسس على اغتصاب أرض فلسطين وتعميق الانقسام العربي، يشكّل بطبيعته تهديدًا لأمن مصر القومي وللسلام الإقليمي. فالتاريخ علّمنا أن كلما تمدد النفوذ الصهيوني ضعفت حلقات الأمن العربي، وأن أي تفريط أو تراخٍ في مواجهته سياسيًا وفكريًا يجرّ وراءه ثمنًا غاليًا تدفعه الأجيال القادمة.
إن الوعي الشعبي هو السلاح الأمتن في التصدي لهذه الأخطار. على المواطنين أن يدركوا أبعاد المشروع الصهيوني تاريخيًا وواقعًا، بعيدًا عن التهويل ولكن أيضًا بعيدًا عن السذاجة. فالوعي المستنير يضمن التفاف المصريين حول ثوابت أمنهم القومي، ويدفعهم لدعم مواقف دولتهم حين تدافع عن الحقوق العربية وترفض التوطين أو التهجير أو التفريط بالسيادة. كما أن نشر الوعي يعزّز المناعة الثقافية في وجه محاولات الاختراق والتطبيع الزائف. في نهاية المطاف، الرهان معقود على شعوبنا بأن تبقى يقظةً ومدركةً أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بزوال جوهر الخطر الذي يمثله المشروع الصهيوني، وباستعادة الحقوق المغتصبة. وحتى ذلك الحين، ستظل مصر بقيمتها التاريخية والجيوسياسية صمّام أمان الأمة العربية، وحائط الصد الأول في مواجهة كل ما يهدد أمن المنطقة ومستقبلها . والحفاظ على هذا الدور يبدأ بالوعي وينتهي بالعمل الجماعي الحكيم على كافة المستويات.



