لآلئ.. الجزء الثاني والعشرون

د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف
د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف

إلى السيدات والسادة قرَّاء "اللواء الإسلامي"، إلى شعب مصر العظيم، إلى أمتنا العربية والإسلامية، مرحبًا بكم في رحلة جديدة من رحلاتنا المباركة مع كتاب الله، نُبحر فيها بين آياته، ونرتشف من أنواره، وننهل من كنوزه وأسراره.
هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله تعالى هدايةً للبشرية، ومصدرًا للسعادة والنجاة، ومَعينًا لا ينضب من الحكم والعِبر.
في هذه الوقفة المباركة نقف اليوم في ظلال الجزء الثاني والعشرين من القرآن الكريم، نستضيء بنوره، ونتفيّأ بظلاله، ونقطف من رياضه اللآلئ والدرر، مستخرجين القيم والمبادئ التي تهدي القلوب وتُنير العقول.
الوقفة الأولى في هذا الجزء مع مقام الوجاهة عند الله؛ لذا نستهل وقفاتنا مع قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب: ٦٩).
تأملوا معي هذه الكلمة الخالدة: "وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا"... إنها كلمة تهز القلب وتُحيي الرُّوح. وسام شرف، وقلادة كرامة، وخلعة تميُّز خصَّ الله بها نبيَّه وكليمه موسى عليه السلام.
لقد رفع الله سبحانه وتعالى شأن موسى عليه السلام، فكان وجيهًا عند الله. وكلمة "وجيهًا" لم ترد في القرآن الكريم إلا مرتين: مرة في حق سيدنا موسى عليه السلام؛ والمرة الأخرى في حق سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: ٤٥). 
يا أحبتي، الوجاهة الحقيقية ليست في المال ولا في المنصب ولا في الجاه، بل هي في أن تكون وجيهًا عند الله. من أراد النجاح والتوفيق في الدنيا والآخرة، فليتعلق بهذه الكلمة: "وكان عند الله وجيهًا".
اللهم اجعلنا من الوجوه الطيبة عندك، ومن المقربين المقبولين في الدنيا والآخرة.
ثم إلى الوقفة الثانية، وهي أن التفكير فريضة إسلامية. لذا، فالوقفة الثانية مع آية عظيمة تدعونا إلى منهج التفكير السليم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ: ٤٦).
الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نتفكَّر ونتأمل، لأن التفكُّر من أعظم العبادات. ولذلك قال الأديب والمفكر الإسلامي عباس محمود العقاد في كتابه "التفكير فريضة إسلامية": "وردت كلمات العقل، والفكر، والتدبر، والنظر، والعلم ومشتقاتها اللفظية أكثر من سبعمائة مرة في القرآن الكريم".
إنه أمر إلهي باستخدام العقل بطريقة صحيحة، ولكن متى يكون التفكير سليمًا ومثمرًا؟ حين نقوم لله مخلصين، ونتفكر في هدوء، سواء كنا منفردين أو مع مجموعة صغيرة من أهل الفكر والصلاح. والفكر السليم لا يولد في الضجيج بل في السكينة والتأمل.
ثم إلى الوقفة الثالثة في هذا الجزء، وهي مع أسرار البحار والجبال من آيات الله. 
ننتقل إلى مشهد كوني مهيب يرسمه القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (فاطر: ١٢).
مشهد البحار والمحيطات والأنهار التي خلقها الله تعالى بحكمته وعلمه، العذب والمالح لا يمتزجان، ومع ذلك لكل منهما فوائده ورزقه. وفي السورة نفسها يقول الله عز من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ (فاطر: ٢٧).
ثم يتحدث عن الجبال وتنوع ألوانها وأشكالها قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (فاطر: ٢٧). نهتدي من ذلك إلى أن اختلاف الألوان والأشكال في البحار والثمار والجبال دليل على عظمة الخالق جل وعلا؛ وعلى الخير الذي أراده بنا إذ سخر لنا كل ذلك. 
وأما الوقفة الرابعة في هذا الجزء فهي أن العلماء أهل الخشية. هنا ختام رحلتنا مع هذا الجزء المبارك، وفيها نقف مع هذه الآية الجامعة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: ٢٨).
إن العلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية من الله، والعالِم الحق هو الذي يزداد قربًا وتواضعًا وخوفًا من الله كلما ازداد علمًا. 
نسأل الله أن يجعلنا من عباده العلماء العاملين، الذين يخشونه حق خشيته. 
وإلى دعاء الختام: 
اللَّهُمَّ اجعلنا من أهل العلم والخشية، ومن الوجوه الوجيهة عندك في الدنيا والآخرة.
اللَّهُمَّ اجعل عقولنا متفكرة في آياتك، وقلوبنا خاشعة لعظمتك، وألسنتنا ناطقة بذكرك.
وإلى لقاء يتجدد... 
دمتم في أمان الله وحفظه.

 

ترشيحاتنا