أصوات شابة تُعيد مجد التلاوة.. «الأوقاف» تطلق أضخم مسابقة لاكتشاف المواهب

صورة موضوعية
صورة موضوعية

 

تحقيق: محمد العيلة

 

في عالم يزدحم بالأصوات المتنافرة والضجيج المتسارع، تظل تلاوة القرآن الكريم صوتًا نقيًا يخترق القلوب ويهذب الأرواح، ويعيد للإنسان توازنه الروحي والوجداني، فهي غذاء للروح، وشفاء لما في الصدور، وباب من أبواب الهداية، ونافذة تطل منها القلوب على نور الحق.. وما أجمل أن نستمع إلى آيات الله البينات من حناجر ذهبية وقلوب خاشعة وألسنة صادقة، تُجسد جلال النص القرآني.

وفي خطوة تعبق بالإيمان وتعكس حرص الدولة على العناية بأهل القرآن وخاصته، أطلقت وزارة الأوقاف بالتعاون مع الشركة المتحدة أضخم مسابقة في تاريخ مصر لاكتشاف الكنوز الصوتية والمواهب الفريدة في فنون التلاوة والترتيل، حيث يتبارى 14 ألف متسابق على تجويد الآيات في مشهد مهيب تتناغم فيه الأصوات الندية، وتُرفع فيه راية الجمال القرآني في أبهى صوره.

 

«دولة التلاوة» ليست مجرد منافسة بين مواهب قرآنية، بل مشروع وطني وروحي يعيد للأذهان مجد القراء الكبار الذين ملأوا الدنيا نورًا وجمالًا بأصواتهم أمثال شيخ القراء محمود خليل الحصري، وكروان الجنة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وصوت الذهب الشيخ محمود علي البنا، وقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، والصوت الباكي الشيخ محمد صديق المنشاوي، وأستاذ المقامات الشيخ مصطفى إسماعيل وغيرهم من القراء العظام.. وتمنح المسابقة فرصة ذهبية للأجيال الجديدة كمنصة كبرى لتأكيد حضورهم على الساحة، وترسخ الريادة المصرية في فن التلاوة الذي ما زال يفتن القلوب والأسماع في شتى بقاع العالم.

 

نماذج فريدة

وأكد د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف أن الغرض من المسابقة هو الإسهام في رفد مدرسة التلاوة المصرية بأصوات جديدة نادرة ومدهشة، تواصل مسيرة العطاء القرآني، وتعيد للأذهان عظمة الأداء المصري الذي طالما أمتع الدنيا بأصواته الخاشعة العذبة، فالمسابقة ليست مجرد اختبار لحسن الحفظ، بل هي منصة لاكتشاف "الجواهر والكنوز" التي أودعها الله في حناجر ذهبية تفيض جمالًا وتبدع في تلاوة القرآن، لتكون بمثابة أداة لاكتشاف خامات صوتية جديدة تليق بكتاب الله، وأن نرى نماذج متألقة يجمعون بين جمال الصوت وروح الأداء ليكونوا قدوة في مدرسة التلاوة المصرية وفن خدمة القرآن.

وأوضح الأزهري أن المقامات الصوتية ليست غاية في ذاتها، وإنما علوم خادمة للنص القرآني تساعد القارئ على إبراز المعنى الذي أراده الله عز وجل، وجمال الصوت إذا اقترن بفهم صحيح للمقامات أضفى على التلاوة أثرًا بالغًا في النفوس، حيث يعبر القارئ بالمقام المناسب عن روح الآية؛ فإذا تلا آيات النعيم أدخل على النفس البهجة والسرور، وإذا تلا آيات الوعيد استشعرت القلوب رهبتها وجلالها.

وكشف وزير الأوقاف عن عزم الوزارة تقديم القراء المتميزين الذين ستبرزهم هذه المسابقة لإمامة المصلين في المساجد الكبرى خلال شهر رمضان المعظم، ضمن رؤية متكاملة لتمكين الشباب الموهوب وربط الأجيال الجديدة بجماليات التلاوة وروح المدرسة المصرية.

 

عرس قرآني

من جانبه، قال د. أسامة فخري الجندي رئيس الإدارة المركزية لشئون القران الكريم والمساجد، في تصريحات خاصة للواء الإسلامي، إن مصر جسدت عبر العصور نموذجًا فريدًا في العناية بالقرآن الكريم، جمع بين الأصالة والتجديد، من الكتاتيب إلى التطبيقات الحديثة، ومن أصوات القراء الكبار إلى المسابقات المحلية والدولية، لتبقى مصر منارةً للقرآن، تُعلِّمه وتُبلِّغه، وتربي أجيالًا على محبته وحفظه، وتظل صوت التلاوة الأول في العالم الإسلامي.

وأضاف أن مسابقة دولة التلاوة الكبرى، عرس قرآني بهيّ، يلتقي فيه أهل القرآن الكريم من كل مكان، تعيد للقلوب بهاءها، وللمآذن مجدها، ولأمة القرآن عزّها، وتفتح آفاقًا رحبة لاكتشاف جيل جديد من القراء يحمل الراية ويكمل مسيرة الكبار، وتأتي في إطار دعم القوى الناعمة المصرية، وتعزيز دور مصر الإقليمي والدولي في نشر رسالة القرآن الكريم، من خلال فرعين رئيسيين: التجويد والترتيل.

 

جوائز كبيرة

وأوضح الجندي أن تصفيات المسابقة ستستمر لما يزيد على شهرين تقريبًا، وذلك نظرًا للإقبال الكبير عليها، حيث بلغ عدد المتقدمين ما يقارب أربعة عشر ألف متسابق من مختلف أنحاء الجمهورية، وتنقسم في مراحلها إلى ثلاثة أقسام الأولى وهي التصفيات الأولية والتي انطلقت في 16 أغسطس وتنتهي 3 سبتمبر المقبل، ثم يعقبها المرحلة الثانية وهي التصفيات المركزية، ثم اختيار ستة فائزين بالتصفيات النهائية.

وكشف عن الجوائز المادية للمسابقة والتي يبلغ إجمالي قيمتها 3.5 مليون جنيه موزعة كالتالي: مليون جنيه لأفضل موهبة في فرع التجويد، ومليون جنيه لأفضل موهبة في فرع الترتيل، و٥٠٠ ألف جنيه للمركز الثاني في كل فرع، و٢٥٠ ألف جنيه للمركز الثالث في كل فرع، بالإضافة إلى جوائز عينية تُمنح لعدد كبير من المشاركين.

 

النقابة تقيم الأصوات

أشاد الشيخ محمد صالح حشاد، نقيب القراء وشيخ عموم المقارئ المصرية، بمسابقة "دولة التلاوة"، واصفًا إياها بأنها مبادرة متميزة من الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، تهدف إلى إحياء فن التلاوة المصرية على أصوله الراسخة، موضحًا أن الوزير حرص على إشراك نقابة القراء في هذه المسابقة، نظرًا لما تمتلكه من خبرات واسعة في انتقاء الأصوات الندية، حيث تم ضم نخبة من أعضاء النقابة إلى اللجان المكلفة بجولات ميدانية تشمل مختلف محافظات الجمهورية لاكتشاف المواهب القرآنية الواعدة.

وأكد الشيخ حشاد أن وزير الأوقاف تعهد برعاية هذه الأصوات المختارة، علميًا وفنيًا، لضمان عودة دولة التلاوة إلى مجدها السابق، قويةً كما كانت في عصورها الذهبية، مشيرًا إلى أنه كُلّف شخصيًا، ضمن لجنة يرأسها الدكتور أسامة فخري، رئيس الإدارة المركزية لشؤون القرآن الكريم، بمهام اختيار المواهب في محافظات الإسكندرية والبحيرة ومرسى مطروح.

 

إقبال كبير

وأثنى الشيخ محمود الخشت، نائب نقيب القراء وقارئ مسجد السيدة نفيسة، وأحد أعضاء لجنة التحكيم بالمسابقة، على هذه المبادرة التي أطلقتها وزارة الأوقاف، معتبرًا إياها خطوة رائدة تهدف إلى اكتشاف ورعاية المواهب المصرية في تلاوة القرآن الكريم، مؤكدًا أن الوزارة تبذل جهودًا كبيرة وتوفر كافة إمكانياتها لإتاحة الفرصة لكل من يمتلك صوتًا حسنًا وموهبة حقيقية في أي بقعة من أرض الوطن للمشاركة في هذه المسابقة المتميزة.

وأشار الشيخ الخشت إلى أن الإقبال الكبير على المسابقة يعكس حجم الكنوز الصوتية التي تزخر بها مصر في مجال التلاوة، والتي تنتظر من يكتشفها ويصقلها، مبينًا أن التصفيات الأولية ستسفر عن اختيار 300 متسابق من إجمالي 14 ألف تقدموا للمسابقة حتى الآن، سيتم تصفيتهم لاحقًا إلى 28 صوتًا فقط في التصفيات المركزية، وبعدها تحديد الفائزين بالمراكز الثلاثة الأولى في التصفيات النهائية في فرعي التجويد والترتيل.

وأعرب عن تفاؤله الكبير بإمكانية اكتشاف جيل جديد من القراء المصريين المتميزين، موضحًا أن اللجنة تركز في تقييمها على جودة الصوت، والقدرة على التنقل النغمي، مع الالتزام بأحكام التلاوة الصحيحة.

وأضاف أن هذه المبادرة تُحسب لوزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، الذي لا يدخر جهدًا في دعم قراء القرآن الكريم، سواء من خلال الدعم المادي بزيادة المعاشات وتوفير مقر جديد وملائم للنقابة، أو عبر الدعم المعنوي بتوفير كافة الاحتياجات التي تعينهم على أداء رسالتهم.

 

تنظيم واحترافية

وقال الشيخ طه النعماني قارئ جامع عمرو بن العاص، وعضو لجنة التحكيم، إن نسخة المسابقة هذا العام اتسمت بقدر أكبر من التنظيم والاحترافية، وبحضور جماهيري وإعلامي غير مسبوق، الأمر الذي أتاح إبراز عدد كبير من المواهب القرآنية الشابة وإيصال أصواتهم إلى الجمهور داخل مصر وخارجها، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الرسمي والشعبي بهذه المسابقة الفريدة.

وأضاف أن الغاية الأساسية من المسابقة تتمثل في تشجيع المتسابقين وتنمية قدراتهم الصوتية والعلمية في خدمة القرآن الكريم، بعيدًا عن اقتصار المشاركة على الفوز بالمراكز الأولى، مشيرًا إلى أن الحفظ الكامل للقرآن ليس شرطًا في هذه المرحلة من التصفيات، إذ يركز المنهج على اكتشاف الطاقات المتميزة وصقلها بالتدريب والتوجيه، بما يؤهلها لاحقًا لتمثيل مصر في المحافل القرآنية الدولية.

وكشف قارئ جامع عمرو بن العاص عن وجود تصورات مستقبلية حال نجاح المسابقة بتوسيع نطاقها لتشمل متسابقين من مختلف الدول الإسلامية، بحيث تتحول إلى منصة دولية تستقطب القراء المتميزين من كل مكان، وتؤكد مكانة القاهرة كعاصمة للتلاوة ووجهة لعشاق القرآن الكريم في العالم أجمع.

 

لجان تحكيم من كبار العلماء والقراء.. وتغطية إعلامية حاشدة

حظيت مسابقة «دولة التلاوة» بتغطية إعلامية حاشدة عبر أثير عدد من القنوات الفضائية، بما يتيح للجمهور في مصر والعالم متابعة المنافسات والاستمتاع بروائع التلاوة، وتخضع مراحلها لمنافسات دقيقة تشرف عليها لجان تحكيم علمية متخصصة لكل مجموعة إقليمية تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، لاختيار أفضل المواهب على مستوى الجمهورية، وفق معايير رصينة تشمل جودة الأداء، إتقان الأحكام، جمال الصوت، وسلامة التلاوة.

ومن أبرز الأسماء في لجان تحكيم التصفيات الأولية الشيخ طه النعماني قارئ جامع عمرو بن العاص، والذي يشتهر بدقته في تقييم الأداء الصوتي والنغمي، والشيخ محمود محمد الحسن عضو لجنة اكتشاف ورعاية الموهوبين بوزارة الأوقاف والذي يركز على جودة الأداء وسلامة الأحكام، والشيخ محمد حشاد شيخ عموم المقارئ المصرية ونقيب قراء ومحفظي القرآن الكريم، لا يكتفي بالتحكيم الفني فقط بل يُعتبر مرشدًا تربويًا داخل اللجنة ويوجه المتسابقين ويُحفزهم على تطوير أدائهم، بينما الشيخ يوسف قاسم حلاوة قارئ الإذاعة والتلفزيون المصري عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية معروف بطرحه للأسئلة الدقيقة حول المقامات والسور، والشيخ كارم الحريري قارئ مسجد صلاح الدين بالمنيل يشدد على أهمية توزيع الطاقة الصوتية وعدم استنفادها في بداية التلاوة، فيما يقيم الشيخ محمود الخشت، نائب نقيب القراء وقارئ مسجد السيدة نفيسة، قدرة المتسابق على التنقل بين المقامات بمرونة، بالإضافة إلى د. ماهر الفرماوي عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر كلية أصول الدين والذي يحرص على الحس القرآني والتفاعل الروحي والاسترسال في التلاوة دون أخطاء، أما د. أسامة فخري الجندي فهو المدير المسؤول عن المسابقة، والذي يضمن التنظيم العلمي والشرعي لمراحل المسابقة المختلفة.

التصفيات الأولية في 7 مجموعات إقليمية حتى 3 سبتمبر

في المرحلة الأولية من مسابقة دولة التلاوة والتي تستمر حتى 3 سبتمبر، تم تقسيم المتسابقين على مستوى الجمهورية إلى7  مجموعات إقليمية، بهدف تنظيم التصفيات بشكل عادل وميسر، وتغطية كافة المحافظات، وهذا التقسيم يُسهم في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواهب القرآنية في شتى ربوع مصر.

انطلقت المجموعة الأولى في 16 أغسطس من مسجد عمرو بن العاص، للتصفية بين المتسابقين في مديريات القاهرة، القليوبية، الجيزة، الفيوم، بني سويف، وتستمر حتى الأحد 24 أغسطس.

المجموعة الثانية: مقرها المركز الثقافي الإسلامي في محرم بك بالإسكندرية، وتشمل مديريات: الإسكندرية، البحيرة، ومرسى مطروح، وتبدأ الاثنين 25 أغسطس حتى الأربعاء 27 أغسطس.

المجموعة الثالثة: مقرها مسجد النصر في إدارة شرق المنصورة بالدقهلية، وتشمل مديريات: الدقهلية، الشرقية، دمياط، من السبت 23 أغسطس إلى الأربعاء ٢٧ أغسطس.

المجموعة الرابعة: مقرها مسجد البقلي بأسيوط، وتشمل مديريات: أسيوط، سوهاج، المنيا، الوادي الجديد، تبدأ السبت 30 أغسطس إلى الاثنين الأول من سبتمبر.

المجموعة الخامسة: مقرها مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي بمحافظة قنا، وتشمل مديريات: قنا، الأقصر، أسوان، البحر الأحمر، وتنطلق من الأربعاء 27 أغسطس حتى الخميس 28 أغسطس.

المجموعة السادسة: مقرها مسجد الإسماعيلي الشهير بالمطافي  بالإسماعيلية، وتشمل مديريات: الإسماعيلية، بورسعيد، السويس، شمال سيناء، جنوب سيناء، وتنطلق الأربعاء 3 سبتمبر.

المجموعة السابعة: مقرها المركز الثقافي الإسلامي بجوار مسجد الأنصار في شبين الكوم بالمنوفية، وتشمل مديريات: المنوفية، الغربية، كفرالشيخ، وتبدأ السبت 30 أغسطس وحتى الثلاثاء 2 سبتمبر.

 

 

 

ترشيحاتنا