كيف يكسرون حواجز التنمر؟

ذوو الهمم.. أبطال على طريق الإرادة

ذوو الهمم أبطال علي كراسي الإرادة
ذوو الهمم أبطال علي كراسي الإرادة

تحقيق : شيماء الحداد

هم أصحاب قصص ملهمة وصانعو القرار فيما يخص حياتهم، وشركاء في صياغة دستور 2014 وقانون حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 وغيرها من القوانين مثل العمل والحماية الاجتماعية والمجتمع المدني، لهم أدوار قيادية وشبابية والقادرون باختلاف فى كل المحافل الدولية والوطنية.. إنهم «ذوو الهمم».

يمتلك هؤلاء الصغار قلوبا تتوق للحب والقبول، لكنها غالبًا ما تُصدم بقسوة لا تليق بنقائها، تتجسد في ظاهرة التنمر، هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك عابر بل هي جريمة صامتة تتسلل إلى نفوس ضحاياها مخلفة ندوبًا عميقة يصعب شفاؤها، تدفعهم نحو العزلة وتقتل ثقتهم بأنفسهم وتحرمهم من أبسط حقوقهم.

لقد خطت الدولة المصرية خطوات جادة وغير مسبوقة نحو دعم وتمكين ذوي الهمم إيمانا منها بأنهم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع وشركاء أصليون في بناء المستقبل، ويفترض أن يكون الدمج في مؤسساتنا التعليمية والمجتمعية على رأس هذه الخطوات، جسرا إنسانيا وحقوقيا، يعبر بهم نحو الاندماج الكامل والمشاركة الفاعلة، لكن الواقع يكشف أن التحديات لا تزال قائمة، فكثيرًا ما يواجه أطفالنا المميزون تحديات لا حصر لها، من نظرات الشفقة إلى كلمات السخرية والرفض الصريح لتصبح رحلتهم نحو الاندماج كفاحا يوميا.. «اللواء الإسلامي» فتحت هذا الملف الشائك، لتلقي الضوء على هذه التحديات، وتستعرض الرؤية الشاملة التي تجمع بين عمق المنظور الإسلامي وقوة التشريعات المصرية الحديثة، مع التركيز على أهمية تفعيل الدمج والتوعية المجتمعية لضمان مستقبل أفضل لأبنائنا في وطن يحتضن الجميع.

أمهات يتحدين القسوة.. وأطفال يبحثون عن التقبل

علي: سخروا مني فاخترت العزلة.. آدم: ليه مفيش حد بيحبني؟

 خلف كل باب، هناك حكاياتٌ لأمهاتٍ يحملن على عاتقهن همومًا تفوق الجبال، وأطفالٍ مميزين لا ذنب لهم سوى أنهم خُلقوا مختلفين،إنها قصص تُروى بدموع وصمت، تُجسد معاناة يومية، وصراعًا من أجل حق بسيط، الحق في الحياة بسلام وكرامة.

 حاولنا الاقتراب من وجع الأمهات ونقل صوت أطفال ذوي الهمم، صوت ربما لا يسمع لكنه يصرخ فينا كل يوم «احنا مش أقل.. احنا بس محتاجين حب وتفهم».

أنا أم وهبني الله أعظم هديتين في حياتي،هما أولادي،لا أملك سواهما، وهما بالنسبة لي منحة إلهية خالصة، رزقني الله بهما من ذوي الهمم، فأصبحت حياتي تدورحول الحب، التحدي، الصبر، والخوف الدائم عليهم من قسوة لا يستحقونها.. ابني الأكبر «علي» ذو الخامسة عشرعامًا، يعاني من طيف توحد بسيط، لكنه طفل مختلف ،هادئ، مرتب، يعشق التكنولوجيا واللغة الأجنبية، ويملك شغفًا بكل ما هو جديد،ومع ذلك لم يسلم «علي» ذلك القلب النقي من التنمر، حيث تعرض لمواقف مؤلمة من زملائه، سخروا منه، جرحوه بكلماتهم وتصرفاتهم، فاختار العزلة، وبات يكره المدرسة، وكنت أنا «كأم» عاجزة عن رؤية الألم في عينيه، فأصبحت مشاركته مقتصرة على أوقات الامتحانات فقط، لحمايته من جرح متكرر لا يندمل.

أما «آدم» ابني الثاني ذو الثلاثة عشرعامًا، فيعاني من توحد بسيط أيضًا، إلى جانب فرط حركة وصعوبة في التعلم. قلبه كأخيه، نقي، يحب الناس، يسعى لتكوين صداقات، لكنه يُقابل دومًا بالرفض، رأيته يومًا يبكي بحرقة ويسألني: «ماما ليه مفيش حد بيحبني؟ أنا مش طبيعي؟ عايز ألعب زيهم، ليه محدش قابلني؟»، لم أعرف كيف أجيبه، احتضنته، خبأت وجعي، وقلت له: «أنت جميل، وربنا خلقك مميز»، لكن داخلي كان ينزف، لأنني لم أستطع تربية أطفال الآخرين على الرحمة والإنسانية.

قصتي مع علي وآدم ليست سوى جزءٍ من معاناة آلاف الأمهات اللاتي يحملن على عاتقهن همَّ أطفالٍ مميزين، أطفالٌ يستحقون الحب، التقبل، والفهم، لا التنمر والرفض.

ملك: مش بتكلم.. بس عيني بتحكي وجعي

ملك في عمر الزهور، 25 عامًا، ملامحها كعروس ليلة فرحها، بريئة، نقية، تحمل في وجهها سكونًا لا يشبهه سكون. تعاني من توحد شديد وتأخرعقلي، لا تنطق، لا تُجيد التعبير، لكنك إن نظرت في عينيها، ستسمع وجعًا يضجّ بالصمت.

ملك لا تقول شيئًا، لكنها تفهم كل شيء بطريقتها الخاصة، لا تصرخ، لا تطلب، فقط تقترب ممن يمنحها الأمان، وتخبئ رأسها في حضنه، في هذا الحضن فقط تهدأ، وكأنها أخيرًا وجدت مكانًا لا يخيفها، لا يحاسبها، لا يجرحها بنظرات أو كلمات، في حضورها، تشعر أنها لا تحتاج سوى «حضن آمن»، مكان بسيط تشعر فيه أن الحياة ليست كلها صخبًا وعدوانًا. هناك في عينيها شيء لا يمكن وصفه، نظرة كأنها تقول: «أنا هنا.. مش مختلفة، بس محتاجة حب وهدوء مش أكتر».

ملك لا تؤذي أحدًا، لكنها كثيرًا ما تتأذى، لا تسأل عن شيء، لكنها كل يوم تتمنى في صمت أن يفهمها أحد، أن يحتضنها أحد، أن يعاملها كما هي، لا كما يتوقع الآخرون.

مؤمن: «طلبت كوباية ميه.. فخدت قلم على وشي»

«طلبت كوباية ميه.. فخدت قلم علي وشي» هكذا حكى الطفل الصغير، دون غضب، دون لوم، فقط بتعجّب بريء من طفل لا يفهم لماذا يُعاقَب على شيء لم يُخطئ فيه، مؤمن لم يتجاوز الـ11 عامًا، يعاني من تأخر عقلي وصعوبات تعلم، لكنه يحمل قلبًا واسعًا، يوزع التحية والابتسامة على كل من يقابله، ويحتضن الغرباء كأنهم يعرفونه منذ زمن.

يعشق اللعب في الشارع، ويظن أن كل المارة أصدقاؤه، لا يعرف حدود الخوف، لأنه ببساطة لا يعرف القسوة. لكنه في لحظة واحدة، صفعه أحد الجيران بقسوة لأنه طلب منه كوب ماء، لم يعلم الرجل أن مؤمن من ذوي الهمم، وربما لم يهتم أن يعرف، ما أشعل الموقف نارًا في قلوب أسرته، وبالرغم من أن العاصفة هدأت لاحقًا، لكن الألم لم يهدأ داخلهم.

مؤمن لا يطلب الكثير، فقط أن يُعامل كباقي الأطفال، أن يُرى، أن يُحتضن، لا أن يُؤذى في لحظة عطش، أو يُقابل بالرفض وهو يوزع الحب بعفوية نادرة.

المعلمات: يكسرأطفالنا.. والمدارس غير مؤهلة للدمج

«الأبكم والروبوت».. ألقاب حصدها يوسف ومريم

بين أروقة المدارس، حيث يُفترض أن يسود التعاطف وتتكافأ الفرص، يقف أطفال من ذوي الهمم في مواجهة واقع قاسٍ لا يرحم. وبرغم تطبيق سياسة «الدمج» كخطوة إنسانية وحقوقية في التعليم، فإن الواقع يقول غير ذلك، وهو ما كشفته مجموعة من المعلمات اللاتي يعشن تفاصيل اليوم الدراسي مع هؤلاء الطلاب عن قرب.

 سهير محمود - كبير معلمي لغة عربية- «الدمج في جوهره فكرة إنسانية وعادلة، لكن الواقع مختلف تمامًا، للأسف، أغلب المدارس، خصوصًا الحكومية، تفتقر إلى المعلمين المتخصصين في التعامل مع الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، بمعني أنه لا يتم تجهيزنا بالأدوات أو التدريب المناسب لكيفية الشرح، أو حتى التعامل مع تصرفاتهم «إحنا بنجتهد، لكن مش مؤهلين بالشكل الكافي، وده بيأثر على الطالب وعلى المعلم في الوقت نفسه».

 وأضافت ناهد عبدالله – معلمة تنمية مهارات- «أكيد من حقهم يتعلموا ويندمجوا، بس لازم يكون في بيئة مناسبة، إحنا خضعنا لتدريبات عامة، لكن بعض الحالات بتكون صعبة جدًا في التعامل، وأحيانا نفاجأ بتصرفات يصعب السيطرة عليها، فأنا مثلا رأيت طالبًا يضرب زملاءه أثناء الامتحان، ولم أستطع تهدئته غير بعد استدعاء والدته»، وأضافت ناهد: التنمر من الطلاب تجاه زملائهم من ذوي الهمم هو التحدي الأكبر، الأهل بحاجة لتربية أبنائهم على الرحمة، فالله منحهم الصحة لكن حرم غيرهم، فليكن ذلك باعثًا على الإنسانية لا القسوة.

وترى رانيا حربي – إخصائية تخاطب وتنمية مهارات-أن الدمج لا ينجح إلا في بيئة خالية من التنمر، وقالتها بصدق إن التنمر ضد ذوي الهمم من أخطر أنواع العنف، لأنه يُكسر الطفل من الداخل، فهؤلاء الأطفال يحتاجون بيئة آمنة، لا سخرية. يجب أن نعلّم أولادنا التعاطف، وأن نفعّل دور الإخصائي النفسي في كل مدرسة.

وسردت «إخصائية التخاطب» بعضا من قصص الوجع التي يتعرض لها ذوو الهمم يوميا، قائلة: «يوسف»، 8 سنوات، تأخر في النطق، أصبح يجلس وحيدًا في فصله بعدما نطق كلمة «مدرسة» بشكل مختلف، وضحك عليه زملاؤه، ونادوه بـ«الأبكم»، وقتها عاد إلى بيته باكيًا، وقال لأمه: «مش عايز أروح المدرسة تاني، عايز أستخبى من العالم»، و«مريم»، 10 سنوات، تعاني من شلل في قدمها وتستخدم عكازًا، سقطت أثناء الفسحة، لم يمد أحد لهم يد العون، بل سخروا منها وقالوا: «شوفتوا الروبوت وقع»، فعادت لأمها باكية وقالت: «هم مش شايفيني بني آدمة، مش عايزة أرجع تاني».

 لم تُنكر المعلمات إيمانهن بالدمج كحق أصيل، لكنهن وجهن نداء واضحًا إلى المسئولين في وزارة التربية والتعليم بتوفير معلمين مدربين ومؤهلين، وبتفعّيل دور الإخصائيين النفسيين في المدارس، والقيام بعمل حملات توعية حقيقية داخل المدارس وبين الأسر، وكذا وضع آليات واضحة لاحتواء السلوكيات الصعبة، بالإضافة لإنشاء فصول مناسبة لمن لا تسمح حالتهم بالدمج الكامل.

د. مايا مرسي: استثمارنا في تأهيل المعلمين والإخصائيين .. خط دفاعنا الأول

كشفت د. مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي،عن استراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى ضمان بيئة مدرسية آمنة وداعمة للجميع، قائلة: هناك تنسيقًا وثيقًا ومستمرًا بين وزارة التضامن والتربية والتعليم والتعليم الفني، بالإضافة للمجالس القومية المتخصصة والعديد من الجمعيات الأهلية الشريكة، وشددت على أن الجهود المبذولة لا تقتصر على مكافحة التنمر ضد ذوي الهمم فحسب، بل تمتد لتشمل جميع أشكال التنمر، بهدف خلق بيئة تعليمية صحية شاملة لكل طالب وطالبة.

وفيما يخص تأهيل الكوادر التعليمية فإن تدريب وتطوير قدرات المعلمين يقع ضمن اختصاصات «التربية والتعليم»، ونحن ندعم جهودهم في هذا الصدد. أما بالنسبة لـتأهيل الإخصائيين الاجتماعيين، فأشارت د. مايا مرسي إلى أننا ننفذ عدة مبادرات تعليمية متخصصة تهدف إلى صقل مهاراتهم في التعامل مع قضايا التنمر وتعزيز الدمج.

وأضافت الوزيرة في تصريحات خاصة لـ «اللواء الإسلامي»: ومن منطلق إيماننا بأن التوعية هي حجر الزاوية فإننا نستغل الفترة الصيفية بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري لتنظيم حملات توعية مكثفة في المدارس، الشواطئ، ومراكز الشباب. هذه الحملات تهدف إلى توعية المجتمع بأهمية الدمج وتقديم تأهيل مبدئي لما قبل الدراسة، لتهيئة الأجواء المناسبة لاستقبال الطلاب في العام الدراسي الجديد.

وفي سياق متصل، شددت د. مايا مرسي على أن العمل التطوعي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة وطنية ومجتمعية ملحة لتكريس جهود التنمية المستدامة. وأكدت أن الجمعيات الأهلية تلعب دورًا محوريًا وداعمًا أساسيًا في مكافحة التنمر وتعزيز الدمج الشامل لذوي الهمم، وأضافت الوزيرة:لدينا مجموعة من الجمعيات والمؤسسات الرائدة في هذا المجال، مثل الهلال الأحمر ومؤسسة «ويل سبرنج»، التي تعمل علي تعزيز مفاهيم العمل التطوعي، وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة، وإبراز الدور الحيوي للشباب في إحداث تأثير إيجابي داخل مجتمعاتهم من خلال تطوير قدراتهم ومهاراتهم في القيادة والمشاركة المجتمعية.

وأكدت د. مايا مرسي: ثقتنا في قدرات المجتمع المدني لا حدود لها، مشيرة إلى أنه يسهم بنحو 30% من الخدمات الصحية في مجال الصحة. وقالت: «أثق في قدرة المجتمع المدني على الوصول إلى المواطنين وقدرتهم على تنفيذ المشروعات بفاعلية، وبالتالي فهم كتلة قوية في المشاركة معنا لتحقيق أهدافنا التنموية»،هذه الاستراتيجية المتكاملة تعكس التزام الدولة الراسخ بخلق بيئة تعليمية خالية من التنمر، تضمن لكل طالب، خاصة من ذوي الهمم، حقه في التعليم بكرامة وأمان، وتسهم في بناء مجتمع أكثر شمولًا وإنصافًا.

رئيس قسم البحوث النفسي: جريمة صامتة تقتل براءة أبنائنا

نقص الكوادر المتخصصة والبنية التحتية.. أبرز التحديات

أكد د. سمير سعد خطاب، رئيس قسم الدراسات والبحوث النفسية والاجتماعية بجامعة قناة السويس أن التنمر ليس مجرد سلوك عابر بل متعمد ومتكرر ويستهدف الأقل قوة، ولفت الانتباه إلى خطورة تأثير وسائل الإعلام التي «تُعلّم القسوة»، حيث تؤكد الدراسات أن «مشاهد العنف والسيطرة في الأفلام والبرامج التليفزيونية تُسهم في تعليم السلوكيات المنحرفة، بما في ذلك التنمر»، وأن «مشاهدة التليفزيون لأكثر من ساعتين يوميًا ترتبط بالسلوك العدواني اللفظي والتنمر، وتزيد من معدلاته بين الأطفال في سن مبكرة».

أرقام صادمة

ويُبرز الدكتور خطاب أهمية الإحصائيات الدقيقة في التصدي للتحديات، مشددًا على أن «التنمر من المشكلات الخطيرة في المدرسة لأنه يؤذي التلاميذ جسديًا ونفسيًا ويعرقل عملية التعلم». وفي هذا الصدد، يؤكد ضرورة تعزيز الاهتمام بدراسة هذه المشكلة في مجتمعاتنا العربية، مشيرًا إلى أن «ما يقرب من 60% من طلاب عينة الدراسة في مصر، وثلثهم في ليبيا والمغرب وتونس، أبلغوا عن تعرضهم للتنمر بين عامي 2006 و2018». وتعد هذه النسبة «الأعلى عالميًا حتى الآن»، محذرًا من أن «إضافة التنمر الذي يحدث ضد ذوي الاحتياجات الخاصة نتيجة دمجهم في المدارس العادية، يُشكل كارثة تتطلب وقفة جادة».

تحديات

وأوضح د. خطاب أن الدمج في جوهره فكرة إنسانية وعادلة تتفق مع رؤية الدولة نحو بناء مجتمع شامل، وبالرغم من كونه حقا أصيلا فإنه يواجه تحديات جسيمة تهدد الأطفال وتظلمهم، أبرزها نقص الكوادرالمتخصصة: «فأغلب المدارس تفتقر إلى معلمين متخصصين في التعامل مع الطلاب من ذوي الهمم، ولا يتم تجهيزهم بالأدوات أو التدريب المناسب لكيفية الشرح أو التعامل مع تصرفاتهم،وهذا يؤثر على الطالب وعلى المعلم في نفس الوقت»، ثانيا: غياب البيئة المدرسية المؤهلة من حيث تصميم وتخطيط المدرسة والأدوات والوسائل الضرورية وعدم وجود التسهيلات الأساسية اللازمة لهم داخل المدرسة، مثل الحاجة إلى منحدرات للسلالم، وفصول في الأدوار السفلية، ودورات مياه مجهزة بمواصفات خاصة، ثالثا: التحديات السلوكية والاجتماعية وذلك بإساءة بعض الأطفال العاديين لذوي الاحتياجات الخاصة في المدرسة، مثل ضربهم أو الاستهزاء بهم، وأن «التنمر ضد ذوي الهمم من أخطر أنواع العنف لأنه يكسر الطفل من الداخل». كما يشير إلى أن بعض السلوكيات الصعبة الصادرة من ذوي الهمم قد تثير قلق الأسر والمجتمع.

عمل مشترك

ناشد د. سمير سعد خطاب جميع الأطراف المعنية بضرورة العمل المشترك لتجاوزهذه التحديات، مؤكدًا أن «دمج الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإشراكهم في النشاط المدرسي والاجتماعي والرحلات، يمكن أن يكون إيجابيًا ويجعل منهم فئة فعالة في المجتمع». وطالب بضرورة توفير معلمين مدربين ومؤهلين، وتفعيل دورالإخصائيين النفسيين في المدارس، والقيام بحملات توعية حقيقية داخل المدارس وبين الأسر لتعليم أبنائنا التعاطف، ووضع آليات واضحة لاحتواء السلوكيات الصعبة، بالإضافة لإنشاء فصول مناسبة لمن لا تسمح حالتهم بالدمج الكامل.

واختمم رئيس قسم الدراسات والبحوث النفسية والاجتماعية بجامعة قناة السويس بأن «الهدف الأسمى هو ضمان حق هؤلاء الأبناء في بيئة تعليمية آمنة وداعمة، تُمكنهم من النمو والتعلم بعيدًا عن أي شكل من أشكال الإيذاء أو التمييز، بما يتماشى مع رؤية الدولة الطموحة لبناء مجتمع دامج وشامل يُقدر جميع أبنائه».

د. مها هلالي: شركاء في بناء المجتمع.. وحمايتهم واجب ديني وقانوني

 قالت د. مها كمال الدين هلالي المستشار الفني لوزيرة التضامن الاجتماعي لشئون الإعاقة والتأهيل: ذوي الهمم جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع وحمايتهم من التمييزأوالتنمر ليست مجرد واجب قانوني بل هي مسئولية دينية ومجتمعية وقانونية، مضيفة: «علمنا ديننا الإسلامي الحنيف أن التنوع والاختلاف بين البشر في خلقتهم وقدراتهم ليس نقصًا، بل هو من أعظم آيات الله وأبلغ حكمته. لقوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ، هذا التنوع هو ما يثري حياتنا، ويجعل مجتمعاتنا أكثر ثراءً وجمالًا وقدرة على الابتكار».

مؤكدة أصالة الرحمة في مجتمعنا: «مجتمعنا الإسلامي بُني على أساس متين من الرحمة والتكافل. لقد أوصانا نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». والأكثر من ذلك، فقد ربط صلى الله عليه وسلم نصر الأمة ورزقها بوجود الضعفاء فيها، فقال: «إنما تُنصرون وتُرزقون بضعفائكم»، فهؤلاء الذين قد يُنظر إليهم أحيانًا بأنهم يحتاجون العون، هم في الحقيقة مصدر للبركة والخير لنا جميعًا،فهم بركة ورحمة عظيمة، ووجودهم في حياتنا سببًا مباشرًا في نزول الرزق والنصر على أمتنا بأكملها».

وأضافت المستشارالفني لوزيرة التضامن: «للأسف لا يزال البعض يجهل قيمة هؤلاء الأحبة، وقد يتعرض أطفالنا من ذوي الإعاقة، أو حتى الكبار منهم، لأشكال مؤذية من التنمر سواء أكان ذلك بكلمة جارحة، سخرية مؤلمة، أو حتى الإقصاء والعزلة الاجتماعية. هذا السلوك السيء لا يؤذي الشخص المتنمر عليه وحده، بل يمتد أثره ليشمل الأسرة بأكملها».

الإسلام ينهي

وشرحت د. مها الأثر النفسي المدمر: «حياة الأسر التي تضم فردًا من ذوي الإعاقة غالبًا ما تكون متركزة حول احتياجاته، لذا فأي انتقاص أو استهزاء يوجه له، يشعرون به وكأنه موجه إليهم جميعًا، ما يسبب لهم ألمًا نفسيًا عميقًا وشعورًا بالوحدة والإحباط. هذا الشعور بعدم القبول قد يفقد الطفل ثقته بنفسه ويدفعه للانسحاب الاجتماعي، والأسوأ، أنه قد يحرمه من حقوقه الأساسية كمواطن، مثل حقه في التعليم اللائق والاندماج الكامل في مجتمعه»، مؤكدة أن هذه الممارسات المؤذية تتعارض تمامًا مع قيمنا الأصيلة، حيث إن ديننا الحنيف وقوانين بلدنا يقفان حصنًا منيعًا ضد هذه الممارسات المؤذية، فالتنمر بكل أشكاله محرم في الشريعة الإسلامية، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾، وهذا تحذير صريح من السخرية والتقليل من شأن الآخرين، بالإضافة إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم أكد هذا المعنى بقوله: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، فكل أذى أو تمييز أو استهزاء هو مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام التي تدعو إلى الرحمة والتراحم والتكافل».

خطوات جادة

وتسلط د. مها هلالي الضوء على التطور التشريعي في مصر: «خطت مصر خطوات جادة ومهمة في حماية حقوق ذوي الإعاقة ومكافحة التنمر وذلك بإصدار القانون رقم 10 لسنة 2018، وهو قانون شامل يضمن لهم الحق في التعليم والعمل والحياة الكريمة بدون أي تمييز، ويلزم الدولة بتوفير كل أشكال الرعاية والحماية لهم، ولمواجهة التنمر بشكل خاص فقد تم تعديل قانون العقوبات المصري بموجب القانون رقم 189 لسنة 2020، الذي أضاف مادة جديدة (المادة 309 مكرر ب) تجرّم التنمر وتحدد عقوبات رادعة لكل من يرتكب هذا الفعل، خاصة إذا كان ضد شخص من ذوي الإعاقة، هذه التشريعات المتقدمة تتفق تمامًا مع مقاصد شريعتنا الإسلامية التي توجب حماية الضعفاء وتمنع الظلم وتأمر بالعدل والإحسان».

الدمج

 وألمحت مستشارة الوزيرة أن سنوات الدراسة هي فترة حاسمة في تشكيل وعي أطفالنا «حيث يتعلم الأطفال ليس فقط المعارف الأكاديمية، بل الفروق الفردية، وكيفية احترام هذه الفروق وتقبلها، فالمدرسة هي البيئة الأولى التي يتعرف فيها الطفل على المجتمع ويتعلم فيها القيم الإنسانية، لذا فإن دمج الأطفال من ذوي الإعاقة في المدارس ليس مجرد حق لهم، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل مجتمعنا بأسره».

وأوضحت د. مها رؤيتها المستقبلية لهذا الدمج: «عندما ندمج أطفالنا من ذوي الإعاقة في المدارس مع أقرانهم فإنه يتيح للجميع فرصة التعرف على الاختلاف وتقبله، ويغرس في نفوسهم قيم المساواة والرحمة والتعاون، فهؤلاء الأطفال الذين يكبرون مع أقرانهم من ذوي الإعاقة سيتحولون في المستقبل إلى آباء، ومعلمين، وصناع قرار، وقادة مجتمع، ووعيهم بقضايا الإعاقة منذ الصغر سيجعلهم أكثر قدرة على التخطيط لمجتمع أكثر شمولية وعدلاً، مجتمع يلبي احتياجات الجميع دون تمييز، وهذا ما تدعو إليه شريعتنا السمحة التي تأمر بالتعاون على البر والتقوى، وتغرس فينا مبادئ المساواة وعدم التمييز».

توعية المجتمع

ولخصت د. مها هلالي الحلول في عدة نقاط أولها الدعم الأسري والتواصل:فيجب على الأسرة أن تكون الحصن المنيع لطفلها، تدعمه وتستمع إليه وتعلمه كيف يواجه المواقف الصعبة. فالتواصل الدائم يمنحه الأمان ويقوي ثقته بنفسه. «الرحمة أصل في تربية الأبناء» كما قال الإمام ابن القيم، ثانيًا: التوعية المجتمعية الشاملة: «هنا يأتي دور المجتمع من خلال إدراكه بأن الاختلاف جزء من طبيعة البشر، وأن كل شخص يستحق الاحترام، حملات التوعية في المدارس ووسائل الإعلام ضرورية لتغيير الفكر السلبي حول الإعاقة». تذكروا دائمًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ثالثا: التدخل المدرسي الفاعل: «وذلك بأن تتخذ موقفًا حازمًا وواضحًا ضد التنمر عن طريق وضع سياسات صارمة، وتدريب المعلمين على كيفية التعامل مع التنمر، وتوفير بيئة آمنة لجميع الطلاب»، رابعا: الاستفادة من القوانين: «يجب على الآباء والمعلمين الإبلاغ عن أي حالات تنمر، فالقوانين المصرية الحديثة هي درع حماية قوية لأبنائنا، وعلينا الاستفادة منها لضمان حقوقهم».

واختتمت مستشارة الوزيرة لشئون الإعاقة كلامها بأن التنمر ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو انعكاس لثقافة مجتمعية تحتاج إلى تصحيح جذري ومواجهته ليست مسئولية جهة واحدة، بل هي مسئوليتنا جميعًا «أفرادًا ومؤسسات»، فيجب أن تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع بأسره.

 

 

ترشيحاتنا