السيدات والسادة الكرام قرّاء اللواء الإسلامي، وكل أبناء الشعب المصرى العظيم، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، مرحبًا بكم فى رحلة جديدة مع القرآن الكريم، حيث نغوص فى أعماق الجزء الثالث عشر منه، لنستخرج من كنوزه اللآلئ، ومن أنواره الهداية، ومن بيانه القيم والمبادئ العظيمة التى أودعها الله فيه.
لقد اقتطفت لكم اليوم من هذا الجزء البديع عجائب من آيات الذكر الحكيم، نستنير بها فى ظلمات الحياة، ونسترشد بها على دروب الخير، فكم فيه من لطائف وحِكم، وكم فيه من إشارات ربانية دقيقة، ومعانٍ سامية، وكنوز من الأخلاق والمواعظ!
ما زلنا فى رحاب سورة يوسف، تلك السورة التى قال الله فيها: ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ ٱلقَصَصِ﴾ (يوسف: ٣)، فهى بحقٍّ أحسن القصص، لما فيها من العِبر والعجائب، ولما حوته من مشاهد النفس البشرية وتقلباتها، وغرائب الطبائع والمواقف، وسُمو الأخلاق النبوية.
نتأمل فى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبتَئِس بِمَا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾ (يوسف: ٦٩)، تأملوا هذه العبارة: «أنا أخوك»، إن فى «أنا» معانى تتجاوز الحروف، فـ»أنا» ليست واحدة، بل هى على نوعين:
• «أنا» النارية، تلك التى ينطق بها المتكبر المتغطرس، يملؤها الغرور، ويغذيها حب التسلّط والتفرّد، فتثمر فزعًا ونزاعًا، وشقاقًا بين الناس.
• «أنا» النورانية، لا ينطق بها إلا الأنبياء والصالحون، مملوءة بالشرف والنخوة والنجدة، تبث الطمأنينة، وتزرع السكينة، وتُغنى عن كل خوف، هى «أنا» النور، «أنا» التى قالها النبى ﷺ يوم القيامة حين يشفع للناس ويقول: «أنا لها، أنا لها» (رواه البخاري).
أما «أنا» الإبليسية، فهى التى قالها إبليس: ﴿أَنَا خَيرٌ مِّنهُ﴾ (ص: ٧٦)، وقالها كل متطرّف إذا ظن أنه وحده على الحق، وأن غيره على الباطل.
أما «أنا» النورانية، فهى التى تفيض شهامةً وكرمًا وفداءً، تدل على قلب الشهيد الذى يفدى وطنه بنفسه، ويغيث الناس بدمه، لا على لسان المتعصّب الذى لا يرى الحق إلا فى نفسه.
ثم لنا وقفة مع الإحسان إذ يقول تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿قَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ (يوسف: ٧٨).
لقد كان يوسف -عليه السلام- محسنًا فى وقت الشدة والضيق، كما فى وقت الرخاء والسعة، إذ كان محسنًا وهو فى السجن، كما كان محسنًا وهو فى المُلك، لم تغيّره الأيام، ولم تبدّله الظروف، لأنه تربّى على الطيب، وتخلّق بحُسن المعاملة. فكن محسنًا دائمًا، فى كل حال، واصطنع الإحسان خلقًا دائمًا، واقتدِ بالكرام من الصالحين، فقد قال الإمام العزّ بن عبد السلام -رحمه الله-: «لو أردنا أن نجمع مقاصد الشريعة فى كلمة واحدة، لقلنا: الإحسان». وقد قال النبى ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (رواه مسلم).
وهنا تتجلى مصر بوصفها وسام الأمان، فى قوله تعالى على لسان يوسف -عليه السلام-: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيهِ أَبَوَيهِ وَقَالَ ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٩)، هذه الآية تاج شرف لكل مصري، ووسام أمان على صدر هذا الوطن المبارك، الذى ارتبط فى القرآن الكريم بالأمان، فلم يذكر الله -عز وجل- فى كتابه الكريم موضعًا موصوفًا بالأمان إلا ثلاثة:
١- الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ٱدخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ءَامِنِينَ﴾ (الحجر: ٤٥، ٤٦).
٢- البيت الحرام، قال تعالى: ﴿لَتَدخُلُنَّ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ (الفتح: ٢٧).
٣- مصر، قال تعالى: ﴿ٱدخُلُواْ مِصرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٩).
فأى فضل أعظم من أن تكون مصر ثالث موضع يُقرن فيه الأمان فى كتاب الله، وعلى لسان نبيّ من أنبيائه، ويسجَّل هذا القول وحيًا يُتلى إلى يوم الدين؟
وفى نهاية القصة، قال يوسف -عليه السلام- لأبيه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى ٱلعَرشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأوِيلُ رُؤيَـٰايَ مِن قَبلُ قَد جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَد أَحسَنَ بِيٓ إِذ أَخرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجنِ﴾ (يوسف: ١٠٠)، لمَ قال يوسف -عليه السلام-: «أخرجنى من السجن» ولم يقل: «وقد أحسن بى إذ أخرجنى من الجب؟»
ألم يكن خروجه من البئر أعظم نعمة؟ أليس الإلقاء فى الجب أشد وأقسى من السجن؟!
قال بعض المفسرين: لأنه اختار السجن بنفسه طاعةً لله، أما الجب فكان ابتلاءً غير اختياري.
لكن التأويل الأدق والأجمل أن يوسف -عليه السلام- تجنّب ذكر الجب، لأنه تذكيرٌ بإساءة إخوته إليه، فغضّ الطرف عنها مراعاةً لمشاعرهم، وتلطفًا بهم، وتغافلًا كريمًا فى لحظة الصفاء. وهنا تتجلّى أخلاق الأنبياء، حيث لا يذكرون فى لحظة النقاء إلا ما يزيد الصفاء، وقد قيل: «ذِكر الجفاء فى وقت الصفاء، من الجفاء».
وهكذا كان يوسف -عليه السلام- نبيًّا رحيمًا، تجاوز عن ألم الجب، وامتنّ لله على الخلاص من السجن، لأنه لا يريد أن يعكّر صفو اللقاء بذكريات الأذى.
اللهم اجعلنا ممن يتخلقون بهذه الأخلاق النبوية، وأكرمنا بأنوار القرآن، واجعلنا من أهل «أنا» النورانية، ومن المحسنين فى كل حال، ووفقنا لمراعاة مشاعر الخلق، كما راعاها يوسف -عليه السلام-، واجعل لنا فى القرآن نورًا وهُدى ورحمة.
وإلى لقاءٍ يتجدد...



