لآلــــــــــئ.. الجزء الثاني عشر

د أسامة الأزهري
د أسامة الأزهري

إلى السيدات والسادة الكرام قراء اللواء الإسلامي، وإلى كل شعب مصر العظيم، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، وإلى كل إنسان في الوجود، وإلى كل ذرة في هذا الكون، طيب الله أوقاتكم بكل خير، ونفوسكم بالطمأنينة، وعقولكم بالفهم المستنير. 

نقف اليوم عند الجزء الثانى عشر من القرآن الكريم، نستخرج من آياته ما يُعيننا على السير فى دروب الحياة، ويمنحنا بصيرة ونورًا فى زمن تزدحم فيه التحدّيات. 
يفتتح هذا الجزء بمشهد مهيب من قصة نبيّ الله نوح - عليه السّلام - حينما كان الطوفان يجتاح الأرض، وتخوض سفينة النجاة بين أمواجٍ كالجِبال. فى هذا الخضمّ، يتوقّف بنا القرآن الكريم عند لحظة إنسانيّة مؤثّرة: حوار بين نبيٍّ من أولى العزم، وابنه الغارق فى الغفلة، إذ يقول سبحانه: ﴿وَهِيَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ (هود: 42)، وفى ظلّ هذا الهول، يسجّل القرآن نداء نوح-عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (هود: 42)، لكنّ الابن يردّ متشبّثًا بوهم النجاة المادّي: ﴿قَالَ سَآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ﴾ (هود: 43)، فيأتى الجواب الحاسم من نبى الله نوح-عليه السلام ـ :﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (هود: 43)، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: 43). 
فالجبال فى هذا المشهد ليست فقط جبالَ الحجارة، بل هناك «جبال بشرية»: رجال أفذاذ، أصحاب حكمة وثبات، يلجأ إليهم الناس فى المحن، فينيرون الطريق، ويمنحون الطمأنينة، وكم من بشرٍ فى حياتنا هم جبال! جبال من الحكمة، من الثبات، من السكينة، تُلقى إليهم همّك فيفريجونه عنك بكلمةٍ أو دعاء أو رأى حكيم، ففتّش فى حياتك عن مثل هذا الجبل، رجلٍ راسخ، تعرف إليه فى الشدة، فهو الملاذ عند اضطراب الأمواج. 
ومن مواضع النور فى هذا الجزء، دعوة نبيّ الله هود - عليه السّلام - لقومه، إذ قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 52)، فالاستغفار مفتاحٌ لكل خير، وسبيلٌ إلى القوّة والرّزق، والفرج من الكروب، ويؤكّد هذا المعنى حديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم: «مَن لَزِمَ الاستغفار، جعل الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود (1518). 
وفى موضعٍ آخر، قال نوحٌ - عليه السلام - لقومه، كما جاء فى سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) (نوح: 10–12).
وفى مشهد ثالث، نسمع نداء نبيّ الله صالح - عليه السّلام - لقومه، إذ قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، و"استعمركم فيها" أى أمركم بعمارتها. وقد أشار العلماء إلى أن مقاصد الخلق ثلاثة: العبادة: كما فى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، والعمران: أى البناء والتطوير والعمل الصالح، إذ يقول سبحانه: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، والتزكية: هى تزكية النفس، كما فى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14). 
ومن الآيات التى تُضيء العقول، قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ﴾ (هود: 116)، هؤلاء هم "أولو بقية": أهل الحكمة والعلم، الذين يقفون سدًّا منيعًا أمام الفساد، فاحفظوا مكانة العلماء، واستضيئوا بأنوارهم، فهم كنوز الأمة وبوصلتها الأخلاقية. 
ويُختتم هذا الجزء المبارك بقصة يوسف - عليه السّلام - التى وصفها القرآن بأنها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: 3)، لما تحمله من معانٍ إنسانيّة عميقة، فتأمّلوا رمز «القميص» فى القصة:
قميص الجفاء: ﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (يوسف: 18)، وقميص البلاء: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ (يوسف: 25)، وقميص الشفاء: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ (يوسف: 93). 
رسالة القصة أن الشيء الواحد قد يكون بلاءً أو شفاءً، حسب إرادة الله وتقديره. 
وفى الختام
نودّع الجزء الثانى عشر من كتاب الله، وقد حمل لنا فى طيّاته نورًا وبصائر، من قصص الأنبياء، ومن رحاب الاستغفار، ومن دروس الحياة.
إلى أن نلتقى مع جزء جديد، نستنير فيه بكلمات الله، ونرتوى من معين لا ينضب، نترككم فى رعاية الله وأمنه.

 

ترشيحاتنا