مجرد فكرة

الهجرة نقطة تحول

اميرة ابراهيم
اميرة ابراهيم

تُعدّ الهجرة النبويّة حدثًا محوريًّا في تاريخ الدعوة الإسلاميّة، فقد شكّلت نقطة تحوّل فارقة نقلت المسلمين من مرحلة الاستضعاف إلى بناء الدولة، ومن حال الخوف والاضطهاد إلى واقع جديد من التمكين والحرية.

وقد أراد الله عزّ وجلّ أن يكون هذا الحدث الجليل بأسباب بشرية مألوفة، فيتزود النبي صلى الله عليه وسلّم للسفر، ويركب الناقة، ويستأجر دليلًا، رغم أن الله قادر على أن يُجري الأمور بخوارق العادة، لكنه أراد أن تكون الهجرة نموذجًا واقعيًّا يُحتذى به في التخطيط والحكمة والأخذ بالأسباب.

وفي مطلع عام هجريّ جديد، يحسن بنا أن نتأمل في ما تحمله الهجرة من دلالات عظيمة ودروس بليغة، فهي ليست مجرد انتقال جغرافيّ، بل تحوّل جذريّ في مسار الأمة، يحمل في طياته معاني الصبر والتضحية والثقة بالله والتفاني في نصرة الحق، فحين نستعرض تفاصيل الهجرة، ندرك عمق هذه المعاني وراهنيّتها في واقعنا المعاصر.

لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلّم في الغار قمة الثبات واليقين، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه في لحظة الخطر الشديد: "ما ظنُّكَ باثنين الله ثالثُهُما"، فكان ذلك الموقف تجسيدًا عمليًّا للإيمان العميق والتوكل الصادق والثقة المطلقة بنصر الله، رغم اشتداد الظروف وتربُّص الأعداء.

ومن أبرز دروس الهجرة أيضًا أنّ النصر لا يتحقّق إلا بالصبر، وأن مَن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، فقد ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم وأهليهم ابتغاء مرضاة الله، ففتح الله لهم أبواب الفتح والتمكين، ورفع ذكرهم في الدنيا والآخرة.

كما أظهرت الهجرة دور المرأة المسلمة في نصرة الدين من خلال ما قامت به السيدة عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما من دعمٍ ومساندةٍ وتحمُّلٍ للمسؤولية في وقتٍ حرجٍ وخطير.

كما برز دور الشباب في صنع هذا الحدث الجليل، ويكفي أن نذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك عبد الله بن أبي بكر. ومن أعظم ما أفرزته الهجرة أيضًا من دروس، ذوبان العصبيّات الجاهلية وبناء مجتمع جديد.

إننا في ذكرى الهجرة النبويّة أمام مدرسة متكاملة في الإعداد والبذل والإيمان، ولو أعدنا قراءة هذه الدروس بوعي وتطبيق، لوجدنا فيها خارطة طريق لنهضة الأمة واستعادة مكانتها وريادتها بين الأمم.