لآلــــــــــئ.. الجزء الحادي العاشر

د أسامة الأزهري
د أسامة الأزهري

السيدات والسادة الكرام قراء اللواء الإسلامي، وكل الشعب المصرى العظيم، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، أهلا ومرحبا بكم فى رحلة جديدة مع القرآن الكريم، من خلال الجزء الحادى عشر منه، نبحر فيه لنصطاد منه اللآلئ والكنوز وجواهر القيم التى أودعها الله تعالى فيه، محملة بالعلم والنور والحكمة. 
القرآن الكريم هو جزء الصدق، إذ يضم هذا الجزء عددًا من القصص والمقاطع القرآنية، والآيات التى تدور وتعود مرة أخرى إلى قضية وقيمة الصدق. ولذلك، تعالوا نقف عند أول ما أردت أن نقتبسه اليوم من هذا الجزء، لذا فقد اخترت لحضراتكم اليوم عددًا من القيم والمعانى التى يمكن أن تدور جميعها فى فلك قضية الصدق. 
ونستطيع أن نستخلص من قيمة الصدق قيما متنوعة كبيرة. 
القيمة الأولى منها يتمثل فى هذه النصيحة: كن مع الصادقين! فذلكم هو المستفاد من قول الله تعالى: ‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‭}‬ (سورة التوبة: ١١٩)، ومعناها أنك أيها الإنسان تحتاج إلى من تأوى إليه، وتستعين به، وتفزع إليه فى أوقات الشدائد، أنت بحاجة إلى أكبر مدرسة من مدارس القيم والأخلاق، المدرسة التى تجعلك تتشرب معانى القيم والآداب دون الحاجة إلى الكثير من الكلام. 
كن مع الصادقين أيها الإنسان، عِشْ معهم، خالطهم، شاهد ما عندهم من آداب، وكيف تكون ردود أفعالهم فى المواقف المختلفة، تأمل صدق لهجتهم، صدق تعبيرهم، صدق مشاعرهم، وصدق انفعالهم. 
وتذكر أن الله تعالى يقول: ‭{‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‭}‬ (سورة التوبة: ١١٩)، لأن أعظم باب من أبواب التربية والتعليم، ونقل الأخلاق من جيل إلى جيل هو أن يكون الإنسان مع الصادقين. 
ثم إلى القيمة الثانية، ألا وهي: ليكن الصدق منهج حياة، قلبا ولسانا، ومدخلا ومخرجا. 
وتظهر هذه القيمة عندما ننتقل من خواتيم سورة التوبة، إلى سورة يونس، نجد أن الله جل جلاله يقول:‭{‬أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‭}‬ [يونس: ٢].
ما معنى «قدم صدق؟» قدم الصدق: تعنى أن الإنسان تعوَّد ألّا تكون له خطوة ولا حركة إلا بالصدق، لا ينجو الإنسان إلا بقدم صدق ولسان صدق. 
القرآن الكريم يركّب عددًا من الأمور مع الصدق، وإليكم المثال: 
فقدم صدق: لا تخطو إلا إلى الخير. ولسان صدق: لا يتكلم إلا بالحق. ومدخل صدق: أن تكون بدايته صادقة. ومخرج صدق: أن تكون نهايته صادقة. ومبوأ صدق: أى أن يسكن فى مكان كله صدق. 
وتأمل معى قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ * ٥٥].
ثم نأتى إلى القيمة الثالثة: أن الصدق ينجيك، وإليكم هذه القصة الطيبة. إنها قصة الإمام الشعرانى مع أستاذه الشيخ على الخواص، وفيها بيان عظيم لنا عن أهمية الصدق. 
كان الشيخ على الخواص من أولياء الله الصالحين، وكان يعمل فى صناعة الخوص. وفى أحد الأيام، جاءه رجل يركض فى فزع وهلع، يلهث بأنفاسه، ويقول: «يا سيدي، أرجوك خبئني، إنهم يطاردونني!» فقال له الشيخ على الخواص: «ادخل إلى بيتي، واختبئ خلف الباب»، وما هى إلا دقائق حتى جاء من يطاردون الرجل ويتعقبونه، وسألوا الشيخ علي: هل رأيت شخصًا يركض من هنا؟ فأجاب الشيخ بكل صدق: «نعم، إنه خلف الباب»! العجيب أن المطاردين لم يصدقوا الشيخ، وظنوا أنه يريد خداعهم بأن يهيئ لهم أنه خلف الباب الذى أشار إليه، فيعطلهم بذلك عن اللحاق به؛ إذ كانوا يظنون أنه قد واصل الفرار. فانطلقوا يبحثون عنه فى مكان آخر، ونجا الرجل. 
وحين خرج الرجل، قال للشيخ فى دهشة: «كيف تسلمنى لهم وأنت من المفترض أن تحميني؟!» فقال الشيخ: «يا بني، صدقى هو الذى أنجاك». 
الصدق هو طريق النجاة، حتى عندما نظن أنه قد يضرنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، وبيده تقليب القلوب والأبصار. 
لذلك، علينا أن نتحرى الصدق فى أقوالنا وأفعالنا، لأن «الصدق يهدى إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا». 
نسأل الله أن يجمّلنا وإياكم بالصدق فى الحال والمآل، وفى الدنيا والآخرة. 
 وإلى لقاء يتجدد...

 

ترشيحاتنا