جهود مكثفة قدمها مجمع البحوث الإسلامية على مدار السنوات الأخيرة، رسخت لعدد من المبادئ والأفكار التى يسعى لتحقيقها على أرض الواقع، فما بين المنصات الدعوية الرقمية التى أطلقها، لتلبية احتياجات المجتمع، وحملات التوعية، واللقاءات المباشرة مع المواطنين لتصحيح المفاهيم المغلوطة، نجحت هذه الجهود فى تحقيق رسالة الأزهر العالمية التى تستهدف بناء الوعى وشحذ الهمم لتعزيز قيمة المواطنة.
اللواء الإسلامى حاورت د. محمد الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، للوقوف على جهود المجمع الأخيره، ودوره الوطنى فى معالجة القضايا المجتمعية، والرد على الشبهات من خلال لجان متخصصة، والتصدى لقضايا الإلحاد، ومواجهة فوضى الفتاوى، وغيرها الكثير فى الحوار التالي...
> بداية.. ما أهم الملفات التى تم إنجازها منذ توليكم منصب الأمين العام للمجمع؟
- من فضل الله علينا أن المجمع شهد خلال هذه الفترة، بدعم د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وبتعاون العلماء والباحثين، جملة من الإنجازات، التى تحققت على أرض الواقع، أبرزها: تطوير المنصات الدعوية الرقمية لتتواكب مع تطلعات الشباب واحتياجات المجتمع، وتوسيع حملات التوعية المجتمعية فى المحافظات الحدودية والصعيد، إضافة إلى تنظيم لقاءات مباشرة مع المواطنين لتصحيح المفاهيم المغلوطة وتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية، كما عملنا على تطوير منظومة الرد على الشبهات، وتوسيع الشراكات المجتمعية فى مجال لمّ الشمل والإصلاح الأسري.
وفى فرع الثقافة تم تكثيف المطبوعات والمنشورات فمعرض الكتاب الأخير شاركنا فيه بعرض عدد من المخطوطات والرسائل الخاطية فى الكتب الحديثة، كما انتهينا من ٩٠ عملا بعد المعرض حتى الآن.
وفى الفرع التقنى نذكر أنه بات واضحا دخول التقنية مجال الدعوة على صفحة المجمع ووجود قناة «التيك توك» الجديدة بالإضافة الى صفحات لمناطق الوعظ على مستوى الجمهورية من خلال تنفيذ خطة دعوية موحدة تواكب تطورات العصر، فضلا عن الأعمال الإلكترونية التى شهدت إنشاء مكتبة إلكترونية شاملة قريبا.
مرصد الأزهر
> ما الاعتبارات التى تُراعى لاختيار الإنتاج العلمى والخطط الدعوية؟
- المجمع يرتبط بالواقع لأنه مرآة الأزهر، لذلك أنشأنا وحدة الرصد «مرصد الأزهر»، وهى تعمل بالشراكة مع وحدة البحوث الجنائية لرصد المشكلات المجتمعية وعلاجها، ونحن نؤمن بأن العمل العلمى والدعوى لا بد أن ينطلق من رؤية واضحة ترتكز على احتياجات المجتمع وتحديات الواقع، لذلك فإن اختيار الأبحاث يتم وفق معايير علمية دقيقة، منها: الأصالة، والجدة، ومواكبة القضايا المعاصرة، كما نعتمد فى التخطيط الدعوى على دراسات ميدانية واستطلاعات رأى تتيح لنا فهم نبض الشارع، وتقديم خطاب دينى مستنير وواقعى يعالج القضايا الحياتية من منظور دينى رصين
> ما الآلية التى يتبعها المجمع للرد على الشبهات والمنشقين بآراء تخالف المؤسسة الأزهرية؟
- نحن نستخدم آلية علمية متكاملة للرد على الشبهات، تعتمد على لجنة علمية متخصصة ترصد هذه الشبهات، ثم تقدم الردود بأسلوب علمى مبسط، ولغة يفهمها الجميع، كما نقوم بنشر هذه الردود على منصات التواصل الاجتماعى، وفى مقالات دورية، وبرامج تلفزيونية وإذاعية، ونعمل على تدريب وعاظنا على مهارات الحوار والنقاش الفعال لتمكينهم من التعامل مع هذه القضايا بحكمة وأسلوب راقٍ.
وأُحب أن أُشير إلى دور الإدارة العامَّة للبحوث والتأليف والترجمة التى تمثِّل أحد الأركان الأساسية فى المنظومة العلمية للمجمع؛ نظرًا لدَورها الحيوى فى إنتاج المعرفة وتأصيل الفكر الوسطى المعتدل والتوسُّع فى المشروعات العلمية المشتركة بالتنسيق مع الهيئات العلمية المختلفة، وفيها نُشدد على أهميَّة الالتزام بالضوابط المنهجية والمرجعية الأزهرية فى جميع الإصدارات، والعمل على ابتكار أساليب جديدة فى العرض والتناول تواكب المتغيرات المعاصرة، لتكثيف الجهود العلمية لمخاطبة العقول بمختلِف اللُّغات، والتعبير عن رسالة الأزهر الخالدة بلغة يفهمها العالم أجمع.
معالجة علمية
> كيف تصديتم لقضايا الإلحاد ومعالجتها؟
قضية الإلحاد من القضايا الشائكة التى تحتاج إلى معالجة علمية ونفسية متكاملة، وقد أطلق المجمع برامج موجهة للشباب بعنوان: «سؤال وجواب فى الإيمان»، كما عقدنا ندوات مفتوحة داخل الجامعات، واستكتبنا عدداً من الباحثين فى هذا المجال، ولدينا أيضًا وحدات رصد تتعامل مع شبهات الإلحاد وتُعدّ لها ردودًا علمية وتربوية تجمع بين العقل والنص
ويُعقَد لقاء افتراضيًّا عَبْر منصَّة (تليجرام) اسبوعيا فى إطار الجهود المستمرَّة للأزهر للتصدِّى لهذه الظاهرة التى أصبحت تشكِّل خطرًا يهدِّد الهُويَّة الدِّينيَّة والقِيَم الأخلاقيَّة بالتَّوازى مع برامجَ متنوِّعةٍ لتأهيل الوعَّاظ والواعظات وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة لمواجهة هذا الفِكر المنحرِف وبما يدعم التَّواصل الفعَّال مع الجمهور لتقديم الدَّعم العِلمى والتوعوى لصدِّ الشُّبُهات التى تُروَّج بشكلٍ مكثَّفٍ عَبْر قنواتٍ ومواقعَ إلكترونيَّةٍ تعمل على نَشْر الإلحاد والانحلال الفِكرى والأخلاقي.
> ما جهود الأزهر فى مواجهة فوضى الفتاوى، ودور المجمع فيها؟
- هناك لجنة متخصصة داخل المجمع تسمى «البحوث الفقهية» تختص بمناقشة القضايا الفقهية المتنوعة المعروضة عليها تمهيدًا لتقديم رأى فقهى منضبط حول هذه القضايا ورفعها لمجلس المجمع برئاسة د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر لإصدار قرار بشأنها، وتنعقد اللجنة بشكل شهرى وتناقش ما يعرض عليها من قضايا فكرية ومجتمعية من الجانب الفقهى لإبداء الرأى فيها، وتضم فى عضويتها نخبة من علماء الأزهر الشريف.
كما تعقد «أكاديمية الأزهر العالمية» لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثى الفتوى لوعاظ الأزهر دورات تدريبية متخصصة فى (مهارات الفتوى العملية) يشارك فيها نخبة من المتخصصين من أساتذة جامعة الأزهر هدفها الاهتمام بتأهيل وتدريب الوعاظ خاصة فيما يتعلق بصناعة الفتوى لرفع كفاءة العاملين فى الحقل الدعوى بما يسهم فى أداء دوره ورسالته المجتمعية الفاعلة ويعزز من جهوده فى مواجهة فوضى الفتاوى ونحن فى توقيت يحتاج إلى إعداد نخبة متميزة من القائمين على أمر الفتوى؛ بما ينعكس على أداء دورهم فى التحلى بالمنهجية العلمية الصحيحة التى تؤدى إلى أستقرار المجتمع.
بناء الإنسان
> كيف شاركتم فى المبادرة الرئاسية «بناء الإنسان» ومدى تفاعل الأزهر معها؟
شارك الأزهر الشريف بدور أساسى فى هذه المبادرة، وقد أطلق المجمع عددًا من المبادرات التوعوية والدورات التدريبية فى المدارس والجامعات، ركزنا من خلالها على تزكية القيم الأخلاقية، والتربية الأسرية، والمواطنة، وتصحيح المفاهيم، ونفذنا برامج متكاملة لتعزيز الهوية المصرية، وتحصين الشباب من الإنسياق وراء الأفكار المتطرفة أو الانهزامية.
ما مدى مشاركتكم فى لجان فض المنازعات، والإنجازات التى تحققت على أرض الواقع؟
- شاركت فى إنهاء خصومتين ثأريتين بين عائلات فى مركز أرمنت بمحافظة الأقصر؛ تنفيذًا لتوجيهات د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، بإقرار السلم والوفاق المجتمعى، ودعم الأمن والاستقرار فى جنوب الصعيد. وأوجَّه لفضيلته كل الشكر على اهتمامه ومتابعته الشخصية لكل التفاصيل التى يقوم بها أعضاء لجنة المصالحات لإتمام الصلح وعلى احتضان ساحة الشيخ الطيب لهذه المبادرة، لنرفع منها صوتًا مدويًّا وداعيًا إلى نبذ العصبية وإراقة الدماء وإحلال الصلح والتآخى ابتغاء وجه الله سبحانه.
كما يقوم وعاظ المجمع بدور بارز فى لجان المصالحة، من خلال الجلسات التمهيدية والإصلاحية، وقد استطاعت لجنة المصالحات بالأزهر بحمد الله إنهاء الكثير من الخصومات خلال الفترة الماضية، بما فيها قضايا ثأرية استمرت لعقود، والإقبال كبير ومتزايد، لأن الناس وجدت فى الأزهر جهة محايدة تحكم بالعدل وتحتكم إلى الشرع والعرف الصحيح.
سابقة تاريخية
> ما العبرة التى يمكن أن نستلهمها من صلح الحديبية للرد على أعداء الإسلام؟
- العبرة من صلح الحديبية أن الإسلام يقدّر الحكمة والمصلحة، وأن القيادة النبوية كانت تدير الخلاف بالحكمة والتقدير، كما أن موقف أم سلمة يوم الحديبية يؤكد أن الإسلام أعطى المرأة مكانة فى المشورة، وهى سابقة تاريخية فى تمكين المرأة من صنع القرار، وهذه النماذج ترد بقوة على من يتهم الإسلام بالجمود أو التمييز.
> ما الجهود الأخيرة التى يتبناها الأزهر لنصرة القضية الفلسطينية؟
- القضية الفلسطينية فى قلب الأزهر، وهى قضية عقيدة وكرامة، وقد أطلق المجمع مؤخرًا سلسلة بيانات ولقاءات دولية لنصرة أهل غزة، وفعّلنا حملات توعية لفضح جرائم الاحتلال، كما قدّم الأزهر قوافل إغاثية بالتعاون مع بيت الزكاة المصرى، وصندوق تحيا مصر، والهلال الأحمر، ونعمل على دعم صمود الشعب الفلسطينى روحيًا وثقافيًا عبر المنابر والدروس والمواد التوعوية.



