لآلــــــــــئ.. الجزء العاشر

د أسامة الأزهري
د أسامة الأزهري

السيدات والسادة الكرام قرّاء اللواء الإسلامي، وكلّ الشعب المصري العظيم، وأبناء الأمتين العربية والإسلامية، أهلاً ومرحبًا بكم في رحلة جديدة مع القرآن الكريم، من خلال الجزء العاشر منه، نصطاد منها لآلئ وكنوز أسراره، ونقترب من أنواره وقيمه، وما أودعه الله فيه من الهداية. 
إنَّ الجزء العاشر من القرآن الكريم يحمل في طيّاته قيمًا عظيمة، وأنوارًا وحِكمًا، وهدايةً تُخاطب البشر والمجتمعات، وتُوجّه الأمم عبر مختلف الأزمان والعصور. ولهذا كان علماؤنا يقولون: إنّ القرآن متجرّد، أي إنّه غير مرتبط بزمن أو بيئة أو ظروف معيّنة، بل هو خطاب الله المتجاوز للزمان والمكان، والمخاطِب للزمان والمكان في آنٍ واحد، بما أودعه الله فيه من هداية شاملة لكل تفاصيل الحياة؛ في السلم والحرب، في الزواج والطلاق، في البيع والشراء، وفي أوقات الحزن والضيق والرخاء والأمان.
وأولى هذه القيم في هذا الجزء قول الله تعالى: {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُم فِئَةً فَٱثبُتُواْ وَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُم تُفلِحُونَ} (سورة الأنفال: ٤٥). ولنتدبر معًا: ما معنى قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُم فِئَةً فَٱثبُتُواْ}؟
كلمة "إِذَا لَقِيتُم فِئَةً" تعني: مواجهة العدو، أو حالة حدوث تهديد أو عدوان، أو حتى الشعور بالخوف من وقوع عدوان محتمل من أُمّة أو دولة أو جماعة على بلادنا. هنا، يُعلِّمنا القرآن الكريم كيف نتعامل مع هذه المواقف، وكيف نواجه التهديدات بشجاعة وثبات.
ومن ثم، يُوصينا الله - سبحانه وتعالى - في هذا الموضع بستة إجراءات لمواجهة التهديد والخوف والعدوان، نُراجعها سريعًا معًا:
أولها - الثبات: إذ قال تعالى: {فَٱثبُتُواْ}، أي كُن ثابتًا، قويًّا، راسخًا في داخلك ووجدانك، ولا تسمح للخوف والذعر أن يسيطرا عليك، لأنّ الفزع يؤدي إلى الشائعات والهلع، مما يُدمّر المجتمعات.
وثانيها - ذكر الله كثيرًا: {وَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُم تُفلِحُونَ}، أي استعن بذكر الله ليطمئن قلبك ويثبت يقينك، وكلنا يحفظ الآية الكريمة: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: ٢٨). 
وأما الإجراء الثالث فهو طاعة الله ورسوله: {وَأَطِيعُوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} (الأنفال: ٤٦)، أي أنّ المعاصي والآثام تُضعِف الأمّة في أوقات الشدائد، لذلك علينا أن نُصلِح علاقتنا بالله ليكون عونًا لنا؛ وأن ندرك معنى المرجعية، وأن نحترمها ونعود إليها. 
وإلى الإجراء الرابع، ألا وهو تجنُّب النزاع والفرقة، يقول سبحانه: {وَلَا تَنَـٰزَعُواْ فَتَفشَلُواْ وَتَذهَبَ رِيحُكُم} (الأنفال: ٤٦)، أي لا تتبادلوا الاتهامات والتخوين في أوقات الأزمات، بل كونوا يدًا واحدة، وإلا ذهب بأسكم وهنتم في عين عدوكم. 
وأما الإجراء الخامس فيتمثل في الصبر، لذا قال سبحانه: {وَٱصبِرُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (الأنفال: ٤٦)، أي تحلَّ بالصبر، فالنصر لا يأتي إلّا بعد الصبر. وانظر هنا إلى معنى المعية، وهل تعرف شيئًا أو حالاً خيرًا من المعية مع الله؟! فمن تحلى بهذه الإجراءات وغالب نفسه على الصبر وتصبّر وتصابر، كان الله معه. ومن كان الله معه، فمن يقوى عليه؟! 
وأما الإجراء السادس فهو عدم التأثر بأساليب الآخرين الخاطئة: قال تعالى: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعمَلُونَ مُحِيطٌ} (الأنفال: ٤٧)، أي لا تتبع أساليب الأعداء في المواجهة، بل حافظ على مبادئك وأخلاقك. 
ونأتي الآن إلى القيمة الثانية المتوخاة من هذا الجزء من القرآن الكريم؛ ونجدها في قوله تعالى: {ذَ ٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَىٰ قَومٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: ٥٣). هذه الآية تذكِّرنا بقاعدة قرآنية عظيمة: لا يُغيِّر الله أحوال مجتمع حتى يُغيِّر أفراده ما بأنفسهم. 
فإذا رأيتَ مجتمعك يعاني من أزمة أو فساد، فلا تشتكِ فقط، بل ابدأ بنفسك، وأصلح ذاتك أولاً، ثم اعمل على إصلاح ما حولك.
أما القيمة الثالثة فنجدها في قوله تعالى: {وَإِن أَحَدٌ مِّنَ ٱلمُشرِكِينَ ٱستَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّىٰ يَسمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ  ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لَّا يَعلَمُونَ} (التوبة: ٦)، فهذه الآية تُقدّم لنا أسمى معاني التسامح الديني؛ فالمسلم مأمور بحماية غير المسلم وإكرامه إذا طلب الأمان، فلا يجوز التعدّي عليه أو ظلمه. 
وأما القيمة الرابعة فنستمدها من موقف الهجرة النبوية، فقد قال الله تعالى عن سيدنا النبي (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبي بكر الصدّيق (رضي الله عنه): {إِذ يَقُولُ لِصَٰحِبِه لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: ٤٠)، إنها كلمات من نور؛ "لا تحزن إن الله معنا"، هذه العبارة هي مفتاح الطمأنينة والسعادة، وهي التي تُزيل الحزن وتمنح الإنسان القوة والأمل. 
وختامًا فإن القرآن الكريم مليءٌ بالحِكم والقيم التي تُرشدنا في حياتنا اليومية، وتعلِّمنا الثبات، واليقين، وحُسن التعامل مع الأزمات، والعمل على التغيير الذاتي والمجتمعي، والتحلّي بالتسامح، والاستعانة بالله في كلّ الأحوال. نسأل الله تعالى أن يرزقنا كثرة الذكر، والأمان، وبناء الإنسان على دفع الأحزان وجلب الطمأنينة. 
وإلى لقاء يتجدد.

 

ترشيحاتنا