اللؤلؤ والمرجان.. لآلــــــــــئ الجزء التاسع

د أسامة الأزهري
د أسامة الأزهري

السيّدات والسّادة الكرام قرّاء «اللِّواء الإسلامي»، وكلّ شعب مصر العظيم، وأبناء الأُمّتين العربية والإسلامية، أهلًا ومرحبًا بكم فى رحلةٍ جديدةٍ مع القرآن الكريم. نعيش فى هذه الرحلة المباركة مع أنوار القرآن، لنغترف من كنوزه وأسراره ومعانيه، وما أودعه الله فيه من الهداية والحِكَم. فهَيَّا بنا نُبحر مع الجزء التاسع من القرآن الكريم؛ لنستخرج منه اللآلئ والدُّرَر والكنوز والأسرار والقِيَم العِظام. 
وأوّلُ قيمةٍ نقف عندها هي عِظَم مكانة أرض الكنانة، مصر، فى الذِّكر الحكيم، وهي قيمة مستمدَّة من قوله تعالى: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (الأعراف: ١٤٣). 
تشير هذه الآية إلى أرض الكنانة، مصر، وتحديدًا إلى هذه البقعة الغالية فى سيناء، وتشير إليها آيات الذكر الحكيم بإشاراتٍ عجيبة. تعالوا نعدِّدها معًا: «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا»: إذًا، هي أرض ميقات. «وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ»: إذًا، هي أرض كلام واصطفاء من الله. «قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ»: إذًا، هي أرض طموحٍ وهمّةٍ عظيمة فى القرب من الله. «قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ»: إذًا، هي أرض بُرهان وقياس وتفهيم وتعليم. «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ»: إذًا، هي أرض تجلٍّ. «جَعَلَهُ دَكًّا»: إذًا، هي أرض خشوع. «وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا»: إذًا، هي أرض تعظيمٍ وهيبة. «فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ»: إذًا، هي أرض تسبيح وتقديس. «تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ»: إذًا، هي أرض توبة وإيمان. 
ومن الإشارات العجيبة أيضًا، لحظة التجلّي الأعظم، حين تجلّى الله تعالى على سيّدنا موسى -عليه السلام- فى بقعةٍ مقدّسة وطاهرة، لم يشهد الكون لها مثيلًا، وهي موضع جبل التجلّي فى سيناء الحبيبة. قال تعالى: «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (الأعراف: ١٤٣). فالقيمة التي نخرج بها هي: عِظَم مكانة أرض الكنانة، مصر، وعلى وجه الخصوص سيناء، التي هي دُرَّةُ تاج الوطن. 
أما القيمة الثانية المستمدة من هذا الجزء فهي: الاتساع للناس، وهي مستمدَّة من قوله تعالى: «وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ» (الأعراف: ١٥٦). 
والقرآن الكريم يكرّر استخدام كلمة «وَسِعَ» فى عدّة مواضع: «إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُو  وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا» (طه: ٩٨). ويقول سبحانه: «رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا» (غافر: ٧)، ويقول أيضًا: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» (البقرة: ٢٥٥). 
هذه المواضع تغرس فى الإنسان خُلُق السَّعَة؛ فأفق الإنسان يجب أن يتسع، مثلما اتسعت رحمة الله لكل شيء. لاحظوا قوله فى سورة الفاتحة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ» والآية التي تليها مباشرة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (الفاتحة: ٢). فهو ربّ العالمين، لا ربّ جماعةٍ دون أخرى.
وجاء فى الحديث الشريف: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» رواه البزار فى «مسنده» (كما فى كشف الأستار 1/466)، والطبراني فى «المعجم الكبير» (رقم 9936)، وأبو يعلى فى «مسنده»، وصححه ابن حبان (الإحسان: 476)، فالشرع الشريف يدعوك إلى ألا تكون ضيّق الصدر، وألا تتعامل مع الناس بأنانية، وألا تظن أن رؤيتك هي الحاكمة على كل ما حولك. 
فخلاصة القيم من هذا الجزء الكريم: أولاً: الاعتزاز بالأرض المقدسة، مصر. وثانيًا: الاتساع للناس. وثالثًا: التوكل على الله: «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» (الأعراف: ١٩٦). ورابعًا: ثمرات التقوى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا» (الأنفال: ٢٩). 
فكن مع الله، يضئ بصيرتك، ويأخذ بيدك إلى الصواب.
 وإلى لقاء يتجدد.

 

ترشيحاتنا