القرآن الكريم كلام الله عز وجل، أفصح الكلام وأبلغه، وأعذبه وأجمله، وأحسنه وأصدقه، أنزله رب العالمين على خاتم الأنبياء والمرسلين بلسان عربى مبين، والعرب كانوا آنذاك أهل فصاحة وبيان، وقد نزل القرآن بلغتهم متحديا لهم فى أعزّ ما يتفاخرون به وهو بلاغتهم وفصاحتهم، وتعددت وجوه إعجازه، ومنها مواقع الألفاظ، ودلالاتها، وسياقها، وأثرها فى السياق وأثره فيها، ومن ذلك: استخدام الكلمة ذاتها فى سياقات متعددة بمعان تفهم من السياق لا بمعزل عنه، ككلمة «قضى» التى تأتى بمعنى قدّر، كما فى قوله تعالى:»إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» فمعنى «قضى أمرا «: أى قدّره، ومنه قوله تعالى؛»فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ».
وتأتى بمعنى أمر وأوجب، كما فى قوله تعالى :«وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»، أي: أمر وأوجب، وبمعنى أعلم أو أخبر، كما فى قوله تعالى:»وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ»، أي: أخبرناه وأعلمناه.
وتأتى بمعنى حكم، كما فى قوله تعالى:» إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «، أى يحكم ويفصل، وقوله تعالى:«ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أنفُسِهِم حَرَجًا ممَّا قَضَيتَ»، أى حكمت.
وتأتى بمعنى أدّى، كما فى قوله تعالى:» فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ»، أى: أدّيتموها، وقوله تعالى:«فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ»، أى: أدّيتموها، وبمعنى أتم وانتهى كما فى قوله تعالى ؛«فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَه»، أى: أتمَّ أجله، ومن مجيئها بمعنى أتم قوله تعالى:» فلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ».
وتأتى بمعنى بمعنى قتل، كما فى قوله تعالى: «فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ»، أى: أنهى حياته.
ومن ذلك كلمة «وراء»، وهى من الأضداد اللغوية التى تطلق فيها الكلمة على المعنى وضده، ومثلها كلمة السليم فهى تعنى المعافى من الأمراض، وتطلق على من لدغته الحية أو غيرها تفاؤلا بسلامته.
وقد ذكرت كلمة «وراء» فى القرآن الكريم مرات عديدة لمعان مختلفة تفهم من السياق لا بمعزل عنه: فجاءت بمعنى خلف، ومنه قوله تعالى:«فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ»، ووردت بمعنى أمام، ومنه قوله تعالى: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا»، فوراء هنا على رأى أكثر المفسرين بمعنى أمام، قال الإمام القرطبى رحمه الله: ويعضده قراءة ابن عباس وابن جبير:«وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا»، ومنه قوله تعالى: «إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا».
ووردت بمعنى بعد، ومنه قوله تعالى: «وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ»، وقوله تعالى: «وَإِنِّى خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا»، وبمعنى غير وسوى وعدا، ومنه قوله تعالى: « فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْعَادُونَ»، أي: فمن ابتغى غير ذلك..
وللحديث بقية



