كتب : أحمد فؤاد
في آلاف المساجد والكتاتيب بمصر، يتكرر مشهد أطفال وشباب يتلون آيات الله بخشوع وإتقان. هذا المشهد يتجاوز مجرد عرض الموهبة الصوتية إلى رحلة تربوية عميقة، تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يسهم حفظ القرآن في بناء شخصية متوازنة، منضبطة، وواثقة بالنفس؟
تجمع الرؤى الشرعية والتربوية على أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب للحفظ، بل هو منهج متكامل لصناعة الإنسان المؤهل لبناء وطنه ومواجهة تحديات الحياة.
اقرأ أيضا| العلم نور.. ومفتاح الحضارة
رؤية الأوقاف والأزهر: وعي وفهم وعمل
يؤكد الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن المشروع الحقيقي لبناء الإنسان يبدأ من ترسيخ القيم القرآنية. ويشير إلى أن حلقات التحفيظ لا تستهدف تخريج حفظة للنصوص فحسب، بل إعداد أجيال تمتلك الوعي والانتماء، وقادرة على تفنيد الفكر المتطرف عبر تمثل قيم الرحمة، والصدق، وإتقان العمل.
وفي سياق متصل، يرى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أن الغاية الأسمى من الحفظ هي التدبر والعمل؛ فالأمة لا تستعيد ريادتها إلا إذا تحول القرآن من كلمات تُتلى إلى سلوك حي ينعكس على المعاملات اليومية، ويغرس في الطفل التسامح واحترام الآخر.
الإفتاء وأصول الدين: حصن من الانحراف وسلوك قويم
من جانبها، تشدد دار الإفتاء المصرية، برئاسة فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، على أن التربية الإيمانية المرتبطة بكتاب الله هي الحصن الأول للوقاية من الانحراف الفكري والسلوكي، شريطة أن يُقدَّم هذا التعليم برفق ومحبة ترسخ الوسطية والاعتدال.
ويعضد هذا الرأي الأستاذ الدكتور مختار مرزوق، العميد السابق لكلية أصول الدين بأسيوط، مؤكداً أن الثمرة الحقيقية لحفظ القرآن تظهر في سلوك الحافظ من تواضع وحسن معاملة، وليس بعدد الأجزاء المسرودة.
المكتسبات التربوية لحافظ القرآن
يرى خبراء التربية أن الارتباط بالقرآن يمنح الطفل مهارات استثنائية أبرزها:
تنمية التركيز الشديد وتقوية الذاكرة.
تعويد النفس على الانضباط والالتزام الذاتي.
تعزيز الثقة بالنفس عبر التلاوة والمشاركة في المسابقات.
تقويم اللسان وتنمية ملكات اللغة العربية والتعبير.
مسؤولية مشتركة: لا تنفرد الأسرة بهذه المهمة؛ بل تشاركها المؤسسات الدينية، والمدرسة، والإعلام، عبر المبادرات الوطنية والمسابقات التي تبرز الحفظة كقدوات ملهمة.
خاتمة
حين يحفظ الطفل القرآن، فهو لا يملأ ذاكرته فحسب، بل يفتح قلبه لنور الهداية إن الاستثمار في تحفيظ كتاب الله هو استثمار استراتيجي في بناء الإنسان الصالح، وصناعة جيل يترجم الإيمان إلى عمل وإبداع لنهضة أمته.



