بقلم : نجلاء البنداري
تمثل ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام ألف وتسعمائة وإثنين وخمسين واحدة من أهم المحطات التاريخية في عمر الأمة المصرية والعربية حيث كانت انتفاضة شعبية كبرى غيرت وجه الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية في مصر وألهمت حركات التحرر الوطني في جميع أنحاء العالم العربي والقارة الأفريقية لتظل هذه الذكرى محفورة في وجدان الشعب المصري كرمز للحرية والكرامة واسترداد السياسة الوطنية.
اقرأ أيضا| خارج نطاق الخدمة لماذا نصبح أكثر عصبية في يوليو؟
جاءت الثورة نتيجة تراكمات طويلة من المعاناة التي عاشها الشعب المصري تحت وطأة الإحتلال البريطاني وفساد النظام الملكي وسيطرة الإقطاع والرأسمالية المستغلة على مقدرات البلاد بالإضافة إلى تردي الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية وزيادة الفجوة بين الطبقات وجاءت هزيمة حرب فلسطين عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين لتعجل بتشكيل تنظيم الضباط الأحرار بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر حيث أدرك هؤلاء الضباط المخلصون أن إنقاذ الوطن يبدأ من الداخل بتطهير الجيش والمؤسسات وإعادة السلطة إلى أبناء مصر.
تأسست الثورة على ستة مبادئ أساسية شكلت خارطة طريق لبناء الدولة الجديدة وتمثلت هذه المبادئ في القضاء على الإستعمار وأعوانه والقضاء على الإقطاع والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم وفي المقابل ركزت المبادئ على إقامة عدالة إجتماعية وإقامة جيش وطني قوي وإقامة حياة ديمقراطية سليمة حيث سعت الثورة منذ يومها الأول إلى تطبيق هذه الأهداف بشكل عملي من خلال حزمة من القرارات التاريخية التي إنحازت بشكل كامل للطبقات الكادحة من عمال وفلاحين.
حققت الثورة طفرة غير مسبوقة في المجالين الإقتصادي والإجتماعي وكان على رأس هذه الإنجازات إصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي أعاد الأرض للفلاحين المصريين بعد عقود من السخرة والإقطاع كما تم تأميم قناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية بالإرادة والإدارة الوطنية وجرى بناء السد العالي الذي يعد من أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين لحماية مصر من الفيضانات وتوليد الكهرباء بالإضافة إلى التوسع في الصناعات الثقيلة مثل مجمع الحديد والصلب في حلوان وإقرار مجانية التعليم ليكون حقا للجميع كالماء والهواء.
لم تنعزل مصر بعد الثورة عن محيطها بل تحولت إلى منارة لحركات التحرر في العالم وصارت القاهرة عاصمة لدعم الثورات العربية والأفريقية ضد الإستعمار الغربي حيث ساهمت مصر في دعم ثورة الجزائر وثورات اليمن والعراق ودول القارة السمراء كما ساهمت الثورة بشكل فعال في تأسيس حركة عدم الإنحياز بالتعاون مع زعماء تاريخيين مثل نهرو وتيتو لتبتعد مصر عن صراع المعسكرين الشرقي والغربي وتفرض كلمتها المستقلة في المحافل الدولية.
إن ثورة الثالث والعشرين من يوليو ستظل حية في القلوب والعقول لأنها لم تكن مجرد حدث عابر بل صياغة جديدة للهوية المصرية وإعلاء لقيم العدالة والكرامة الإنسانية والإعتماد على الذات وإن ما تشهده مصر اليوم من مشروعات قومية وبناء للجمهورية الجديدة ما هو إلا إمتداد لتلك الروح الوطنية الطامحة دائما نحو التقدم والإستقرار وتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة حفظ الله مصر وجيشها وشعبها العظيم.



