في مدن مزدحمة وقلوب وحيدة

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

لم تعد المدن في عصرنا مجرد أماكن يزدحم فيها البشر بل أصبحت مرآة لمفارقة إنسانية لافتة فكلما اتسعت الشوارع وارتفعت الأبراج، وتطورت وسائل الاتصال ازداد شعور كثير من الناس بالوحدة.

اقرأ أيضا| بين الصدق والمجاملة… أين تضيع القيم؟

لقد منحنا العصر سرعة غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومات لكنه لم يمنحنا بالقدر نفسه دفء العلاقات الإنسانية أصبح الإنسان يعرف أخبار العالم في لحظات بينما قد يغيب عنه حال أقرب الناس إليه.

وبين زحام الحياة وتسارع الأيام تراجعت مساحات الحوار وضعفت جسور المودة حتى باتت العزلة تسكن القلوب أكثر مما تسكن البيوت.. ولعل أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس نقص المعلومات وإنما فيضها فالعقل الذي يتعرض كل يوم لعشرات الأخبار ومئات التعليقات وآلاف الصور قد يفقد تدريجيا قدرته على التمييز بين ما هو عابر وما هو جوهري وبين الحقيقة التي تحتاج إلى بحث والانطباع الذي يولد في لحظة ثم يختفي في أخرى.. وسط هذا الضجيج تصبح العودة إلى القيم ضرورة لا رفاهية.

ولا يقل الوقت قيمة عن الكلمة فهو الثروة الوحيدة التي لا يمكن تعويضها إذا ضاعت تمر الأيام سريعا ويظن كثيرون أن العمر طويل حتى يكتشفوا أن الفرص لا تعود وأن الساعات التي أهدرت في الجدل العقيم أو الخصومات الصغيرة كانت أولى بأن تستثمر في علم، أو عمل، أو بناء علاقة إنسانية، أو خدمة مجتمع.. وتبقى الأسرة الحصن الأول في بناء الإنسان.

فالبيت ليس مكانا للنوم فحسب بل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الصدق والاحترام، والانتماء، وتحمل المسؤولية. وكلما كانت الأسرة أكثر تماسكا كان المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحدياته.

أما التفكك فلا يبدأ دائما بخلاف كبير بل قد يبدأ حين ينشغل كل فرد بعالمه الخاص ويغيب الحوار وتصبح الشاشات هي المربي الأول.. أما الانتماء للوطن فليس شعارا يرفع في المناسبات ولا كلمات تردد في الاحتفالات وإنما سلوك يومي يظهر في احترام القانون وإتقان العمل والحفاظ على الممتلكات العامة وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

فالأوطان لا تبنى بالعواطف وحدها وإنما بسواعد المخلصين وعقولهم..
ومن أخطر الظواهر التي تفرض نفسها على حياتنا اليوم ثقافة الاستعجال نريد النجاح سريعا والثروة سريعا  والشهرة سريعا بينما يعلمنا التاريخ أن الإنجازات الكبرى لا تولد في ليلة واحدة وأن كل نجاح حقيقي سبقه صبر وجهد وانضباط وإيمان بالهدف.. ولا يقل الحوار أهمية عن ذلك كله. فالاختلاف سنة من سنن الحياة لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة.

لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء وإنما بأن نحترم حق الآخرين في أن يروا الأمور من زاوية مختلفة لأن المجتمعات التي تعرف كيف تتحاور هي الأقدر على تجاوز أزماتها.. وفي حياتنا اليومية هناك تفاصيل صغيرة نصنع بها فارقا كبيرا: ابتسامة في وجه مهموم وكلمة شكر لمخلص ومساعدة محتاج واحترام دور الآخرين والمحافظة على نظافة المكان.

قد تبدو أفعالا بسيطة لكنها حين تتحول إلى ثقافة عامة تصنع مجتمعا أكثر رقيا وإنسانية.. ومن المؤسف أن كثيرين أصبحوا يقيسون النجاح بما يملكون لا بما يقدمون مع أن القيمة الحقيقية للإنسان تبقى فيما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين لا فيما يجمعه من مكاسب.

إن عالمنا اليوم يحتاج إلى استعادة المعاني أكثر من حاجته إلى زيادة المعلومات يحتاج إلى ضمير حي وعقل ناقد وقلب يعرف الرحمة وإعلام مسؤول وتعليم يبني الشخصية قبل أن يحشو الذاكرة وخطاب يعيد الاعتبار للأخلاق باعتبارها أساس العمران.. ويبقى السؤال الأهم: ماذا أضفنا للحياة؟ وهل أصبح من حولنا أفضل بسبب وجودنا؟ وهل تركنا أثرًا طيبًا في أسرتنا أو عملنا أو مجتمعنا؟ فهذه الأسئلة هي التي تمنح الحياة معناها الحقيقي..

لقد جاء الإسلام ليؤسس مجتمعا يقوم على الرحمة، والتكافل، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، لأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران ولأن قوة المجتمعات لا تقاس بما تشيده من مبان شاهقة بل بما تغرسه في النفوس من أخلاق وقيم..

إننا لا نحتاج إلى مدن أكبر بقدر ما نحتاج إلى قلوب أوسع ولا إلى وسائل تواصل أكثر بقدر ما نحتاج إلى تواصل إنساني أصدق فالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والسؤال عن الغائب، وزيارة المريض، ومواساة المهموم، ليست تفاصيل عابرة بل هي اللبنات التي تبنى بها المجتمعات السليمة.. فإذا نجحنا في إعادة الدفء إلى علاقاتنا وإحياء الرحمة في تعاملاتنا فلن تبقى مدننا مجرد أماكن مزدحمة بالبشر بل ستصبح أوطانا نابضة بالمودة يطمئن فيها الإنسان إلى الإنسان. وعندها فقط ندرك أن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نملكه من عمران وإنما بما نحمله من إنسانية وأن أجمل المدن ليست أكثرها ازدحاما... بل أكثرها رحمة.

 

 

طقس القاهرة اليوم
?? --°م
جاري التحميل...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري

العملة سعر الصرف
🇺🇸 الدولار الأمريكي (USD) جاري التحميل...
🇪🇺 اليورو الأوروبي (EUR) جاري التحميل...
🇸🇦 الريال السعودي (SAR) جاري التحميل...
🇦🇪 الدرهم الإماراتي (AED) جاري التحميل...
🇰🇼 الدينار الكويتي (KWD) جاري التحميل...
* الأسعار يتم تحديثها تلقائياً عالمياً وموجهة إرشادياً

أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم

البيان (جرام) السعر التقريبي
✨ ذهب عيار 24 جاري الحميل...
👑 ذهب عيار 21 (الأكثر طلباً) جاري التحميل...
🔸 ذهب عيار 18 جاري التحميل...
🥈 فضة عيار 925 (خام) جاري التحميل...
* الأسعار عالمية وتُحسب بناءً على الصرف الفوري بدون مصنعية