بقلم: شحاتة زكريا
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتتداخل فيه المصالح، لم يعد السؤال المطروح هو: ماذا نقول؟ بل: لماذا نقول ما نقول؟
فبين الصدق الذي قد يبدو قاسيًا في لحظاته الأولى، والمجاملة التي تبدو لطيفة في ظاهرها، تتشكل مساحات رمادية واسعة تضيع فيها القيم دون أن يشعر أحد. لم تعد المجاملة مجرد سلوك اجتماعي رقيق يهدف إلى تلطيف الأجواء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة للهروب من الحقيقة أو الالتفاف حولها. نبتسم حيث يجب أن نتكلم، ونصمت حيث ينبغي أن نصحح، ونزين ما لا يستحق التزيين، حتى أصبح الزيف أحيانًا أقرب قبولًا من الصدق ذاته.
اقرأ أيضاً| بين العبادة والعمل… أين يختبئ الإخلاص؟
المفارقة أن الجميع يدرك ذلك، لكن القليل فقط يملك شجاعة الخروج من هذا الإطار. فقول الحقيقة اليوم لم يعد مجرد فضيلة، بل أصبح موقفًا يحتاج إلى قدرٍ من الجرأة، وربما التضحية؛ لأن الصدق، حين يُقال في غير وقته أو بأسلوب فج، قد يتحول إلى صدمة، بينما المجاملة، حين تتجاوز حدودها، تتحول إلى خداع ناعم يمر دون مقاومة.
في البيوت تبدأ الحكاية؛ طفل يُخطئ فيُغض الطرف عنه بدافع الحب، حتى يكبر الخطأ معه. شاب يبحث عن التوجيه فيُمنح كلمات لطيفة بدلًا من نصيحة صادقة، فيتوه أكثر مما يهتدي. علاقات تُبنى على مجاملات مستمرة، لكنها تفتقر إلى الصراحة التي تحفظ توازنها. وهكذا تتآكل القيم بهدوء، لا بفعل الصدمات الكبرى، بل بفعل التنازلات الصغيرة المتكررة.
وفي محيط العمل تصبح المجاملة أحيانًا لغة رسمية غير مكتوبة؛ يُمدح الأداء المتواضع، ويُتجاهل التقصير، وتُقدَّم الاعتبارات الشخصية على معايير الكفاءة. لا أحد يريد أن يُزعج الآخر، ولا أحد يرغب في أن يُحسب عليه أنه صريح أكثر من اللازم. والنتيجة؟ بيئة تُجيد التجميل، لكنها تعجز عن التطوير.
أما في المجتمع، فالصورة أكثر تعقيدًا؛ حيث تتشكل ثقافة عامة تُكافئ من يُحسن التزييف، وتُرهق من يتمسك بالصدق. تُمنح المساحات لمن يُجيدون قول ما يُرضي لا ما يُصلح، وتُهمَّش الأصوات التي تحاول أن تقول الحقيقة بلغة متزنة؛ لأنها ببساطة لا تُجيد التلون.
لكن هل الصدق دائمًا هو الحل؟
الإجابة ليست بهذه البساطة؛ فالحقيقة، مهما كانت ناصعة، تحتاج إلى حكمة في عرضها، وإلى وعي بسياقها. ليس كل ما يُقال يُقال دفعة واحدة، وليس كل صدق يُلقى دون اعتبار لمشاعر الآخرين يُعد فضيلة. هنا يظهر الفرق بين الصدق الذي يُصلح، والصدق الذي يجرح دون داعٍ.
إن القيم لا تضيع فقط حين نكذب، بل أيضًا حين نُفرط في الصدق بلا بصيرة، أو نُفرّط في المجاملة بلا حدود. القيم تضيع حين نفقد التوازن، حين يصبح الهدف هو إرضاء الجميع أو فرض الحقيقة دون رحمة. بين هذين الطرفين، يقف الإنسان أمام اختبار يومي: هل يقول ما يجب قوله؟ أم يقول ما يُتوقع منه قوله؟
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الخلل لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيًّا. يبدأ بموقفٍ صغير، بكلمة لم تُقل، أو أخرى قيلت لتجنب الإحراج، ثم يتكرر حتى يتحول إلى نمط حياة. وحينها يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مجرد صورة محسّنة للواقع.
ومن زاوية أعمق، فإن الصدق ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو أساس بناء الثقة، والثقة هي الركيزة التي تقوم عليها كل علاقة إنسانية وكل منظومة ناجحة. وحين تهتز هذه الثقة بفعل المجاملات الزائدة أو الحقائق الغائبة، ينهار البناء كله، ولو بدا متماسكًا في ظاهره.
وفي المقابل، فإن المجاملة، في صورتها النقية، ليست عيبًا، بل هي ضرورة إنسانية؛ فالكلمة الطيبة، واللطف في التعبير، واحترام مشاعر الآخرين، كلها قيم نبيلة. لكن الخطر يبدأ حين تتحول المجاملة من وسيلة للتقارب إلى أداة لتزييف الواقع.
إننا لا نحتاج إلى عالم يخلو من المجاملة، ولا إلى مجتمع يتحدث بصرامة جافة، بل نحتاج إلى وعي يعيد تعريف العلاقة بين الصدق واللطف. نحتاج إلى كلمة صادقة تُقال بأسلوب إنساني، وإلى مجاملة لا تُخفي الحق، بل تُقدّمه في صورة مقبولة.
في النهاية، يبقى السؤال قائمًا: أين تضيع القيم؟
هي لا تضيع في لحظة، ولا تُسرق بقرار، بل تتآكل في المسافة الفاصلة بين ما نعرف أنه صحيح وما نختار أن نقوله. تضيع حين نصمت عن الخطأ بدافع الراحة، أو نُجمّل الحقيقة بدافع القبول.
القيم لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى مواقف؛ إلى شجاعة تقول الصدق حين يلزم، وإلى حكمة تُحسن قوله. فليس المطلوب أن نكون قساة في صدقنا، ولا زائفين في مجاملتنا، بل أن نكون صادقين بوعي، ولطفاء بصدق.
وحين ننجح في هذا التوازن، لا نحفظ القيم فقط، بل نُعيد لها الحياة.



