بقلم: حاتم سلامة
يصرح بين الحين والحين، بعض من ليس لديهم أي شعور بالانتماء للهوية الإسلامية، بلفظة منكرة تجافي الواقع والتاريخ والحقائق، حينما يقولون: إن مصر ليست إسلامية وإذا كان المقصود بمصر ليست إسلامية أنها ليست دولة كهنوتية يحكمها رجال الدين بفهم استبدادي، فهذا تحصيل حاصل؛ إذ لم يعرف الفكر الإسلامي مفهوم الدولة الثيوقراطية أصلاً، وظلت الدولة المصرية الحديثة دائماً دولة مؤسسات وقانون وإدارة وضعية تنظم شؤون مواطنيها على قدم المساواة، أما إذا كان المقصود هو نفي الطابع الحضاري والثقافي الإسلامي، فهنا يتبدى جلياً مجافاة الواقع والتاريخ.
فالإسلام في مصر هو الهواء الثقافي الذي يتنفسه المجتمع؛ هو قيم التسامح، والعدالة، والترابط الأسري، وهو المرجعية الأخلاقية والروحية التي يستند إليها الوجدان الجمعي في مواجهة الأزمات، إن تديّن المصريين وحرصهم على القيم الدينية ليس قشرة خارجية، بل هو جوهر الشخصية المصرية وصمام أمان تماسكها الاجتماعي.
أما من الناحية التاريخية، فلا يمكن قراءة تاريخ الإسلام دون التوقف طويلاً عند المحطة المصرية؛ فمصر لم تكن مجرد جغرافيا تابعة، بل كانت -ولا تزال- القلب النابض والدرع الحامي لهذه الحضارة في أحلك الظروف التاريخية.
إن محاولة نزع الإسلامية عن مصر بدعوى الحفاظ على طابعها المدني أو الفرعوني هو طرح يتجاهل قانون التراكم الحضاري، فالإسلام في مصر لم يكن يوماً مجرد عقيدة طارئة أو سلطة سياسية عابرة، بل تحول عبر القرون إلى مكوّن بنيوي امتزج بالوجدان الشعبي، وأعاد صياغة العادات، والتقاليد، والقيم الأخلاقية، بل واللغة اليومية للمصريين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، إنها عملية تمصير فريدة صبغت الإسلام بخصوصية مصرية، وصبغت مصر بصبغة إسلامية حضارية واضحة.
إن احتضان مصر للأزهر الشريف لأكثر من ألف عام، وتحولها إلى قبلة لطلاب العلم الشرعي واللغوي من شتى بقاع الأرض، ليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل هو شهادة حية على أن الهوية الإسلامية صُبت في القالب المصري فمنحته الخصوصية والريادة، وجعلت من مصر حارساً للفكر الوسطي المعتدل، ومنذ عصر محمد علي باشا وتأسيس الدولة الحديثة، لم يجد الرواد الأوائل -ومنهم أزهريون مستنيرون كرفاعة الطهطاوي- أي تعارض بين التحديث والنهوض العلمي وبين التمسك بالهوية الإسلامية كإطار قيمي جامع، بل إن الدساتير المصرية المتعاقبة، وصولاً إلى الدستور الحالي، حين نصت على أن الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، لم تفعل ذلك كفرض لإيديولوجيا، بل كصياغة قانونية لواقع مجتمعي مستقر وثابت يعبر عن ضمير الأمة.
إن الرد على مقولة مصر ليست إسلامية، لا ينبغي أن يكون بدافع الإقصاء أو التشنج، بل بدافع البيان المعرفي الرصين والتوضيح التاريخي، إن قوة مصر الحقيقية تكمن في تصالحها مع ذاتها وتاريخها الطويل؛ فالإسلام في مصر هو إسلام الاعتدال والتعايش المشترك مع الشركاء في الوطن من الأقباط، الذين يشكلون مع المسلمين نسيجاً وطنياً واحداً لا يقبل القسمة، إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب ثقافي متوازن يعزز الانتماء الوطني بمختلف روافده، ويدرك أن هويتنا الإسلامية ليست عائقاً أمام التحديث أو المدنية، بل هي ركيزة أساسية للأمن الثقافي والاجتماعي، وأن عظمة هذا الوطن تكمن في قدرته الفائقة على أن يكون مصرياً خالصاً، وعربياً أصيلاً، وإسلامياً عميقاً، في نسيج متناغم فريد صاغه التاريخ عبر آلاف السنين.



