كرامة باحث

حاتم سلامه
حاتم سلامه

بقلم: حاتم سلامة

لا أدري، فبعض المواقف تحدث، ولا يمكن للمرء حيالها إلا أن يجزم أنّها كرامة من الكرامات؛ لأنّها أمر يصعب أن تُنتجه الظروف والصدف. فمنذ أيام حدّثني أستاذي فضيلة الدكتور [يسري محمد خضر]، وكيل كلية أصول الدين في طنطا، عن عمله في مرحلة الماجستير، ورسالته عن الشيخ البهي الخولي وجهوده في الدعوة إلى الله، وقصّ عليّ قصة عجيبة مرّت به، فقال:

"كنت أتوجّه إلى دار الكتب المصرية في القاهرة، وكان بها كتابان للشيخ البهي الخولي، وهما: (الإسلام لا شيوعي ولا رأسمالية) و (المرأة بين البيت والمجتمع)، وكنت وقتها في بداية التسعينات أعاني من ضيق ذات اليد، ولم يكن الحال يسمح أن أشتري الكتابين، ففكّرت في تسجيل الكتابين قراءة، ومن ثم أقوم بتفريغهما في البيت عبر مسجّل وشرائط كاسيت.

وحينما ذهبت إلى دار الكتب، منعني الأمن أن أدخل بأي متعلّقات، فشرحت لهم ظروفي، وذكرت أنّي في حاجة إلى المسجّل حتى أنقل مادة الكتابين، فرفضوا وأرشدوني إلى تقديم طلب لمكتب الأمن. وفعلاً كتبت طلبًا وذهبت إلى مكتب أمن الدولة الذي يترأّسه ضابط برتبة لواء، فرحّب بي وسألني عن أحوالي وظروفي، وذكرت له طلبي، وأنّني باحث أريد الكتابين حتى أستعين بهما في بحثي في رسالة الماجستير، وأنّ ظروفي لا تسمح بتصويرهما، ولا بدّ من استخدام المسجّل.

فطلب منّي أن أكتب أسماء الكتب، فأخذت القلم وكتبت اسم الكتابين، فقال لي: اكتب اسم المؤلّف، فكتبت أمامه في الطلب: للأستاذ البهي الخولي. وإذا بالرجل تأخذه دهشة، وينظر إليّ ويقول متسائلًا: البهي الخولي؟ هل تريد شيئًا عن البهي الخولي؟

فقلت له: نعم، أريد أيّ شيء يتعلّق به ليفيدني في بحثي عنه، أيّ معلومة مهما كانت صغيرة، فلديّ بحث عن حياة الشيخ البهي الخولي ولا أعرف كيف أبدأ فيه؟

فقال لي: تفضّل بالجلوس. ويتبيّن لي أنّ هذا اللواء على علاقة اجتماعية وزمالة وصداقة بأسرة الشيخ، خاصّة ابنه مجيد، وكان لواءً بالشرطة على المعاش. فاتصل به أمامي وقال له: عندي باحث بيعمل رسالة عن الوالد، ويريد مقابلتكم.

فرحّب بي، وأخذت العنوان والتقيته في الساعة الخامسة عصرًا، ووجدته بانتظاري، وأدخلني البيت وقال لي: هنا كان يجلس الباقوري، وهنا كان يجلس فلان وفلان، وذكر لي عددًا من أعلام الدعوة الكبار. ثم دلّني على أخيه ماجد، ومنه إلى أخيه الثالث الذي كان الشيخ يقيم معه في شقته، وهو من أتاح لي الوقوف على أوراق والده من الخطابات والرسائل والمخطوطات البسيطة، والأوراق المتناثرة، ومقالات لم تُنشر، ودقائق ومسودّات لبعض المؤلّفات له.

وأمام هذا العطاء الكبير، كدت أطير من الفرح بما حباني الله به، حتى إنّني لم أصبر على ما كان بحوزتي، ففتحت الأوراق وأنا في المواصلات لأقرأ خطّ الشيخ البهي الدقيق، وأنظر ماذا كتب وماذا دوّن. ثم دلّوني بعد هذا على تلامذة الشيخ، حتى استطعت أن أكتب رسالة علمية وافية موفّقة."

وحينما سمعت هذه القصة قلت لشيخنا د.يسري خضر: لا أعلم إن كانت هذه كرامة لك، أم للشيخ البهي الخولي رحمه الله؟ أو لعلّك يوم خروجك إلى دار الكتب قد حظيت بدعوة والدين كريمين، فكتب لك هذا التسهيل العجيب

 

ترشيحاتنا