بقلم : د. انور منير
مع انقضاء امتحانات الثانوية العامة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لعدد من الطلاب والطالبات يحتفلون بانتهاء الامتحانات بالرقص الهيستيري على أنغام الموسيقى الصاخبة، في مشاهد أثارت استغراب كثيرين؛ لأنها لا تنسجم مع قيم ديننا، ولا مع عادات مجتمعنا.
وليس المقصود من إثارة هذه القضية أن نصادر حق الشباب في الفرح، أو أن نطالبهم بالكآبة بعد شهور من الجهد والقلق؛ فالفرح حاجة إنسانية، والإسلام لم يحاربه، بل وجهه الوجهة الصحيحة، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. غير أن الفرح، كغيره من السلوك الإنساني، يحتاج إلى ميزان يضبطه؛ حتى لا يتحول إلى مشهد يفقد صاحبه وقاره، أو يجرحه في نظر نفسه قبل نظر الآخرين.
اقرأ أيضا| لماذا بقي الأزهر.. وغاب غيره؟
ولا أخفي أن تلك المقاطع أعادت إلى ذاكرتي أيام انتهاء امتحاناتنا في الماضي كنا نفرح كما يفرح كل شاب أنهى مرحلة شاقة من حياته، لكن فرحتنا كانت تمتزج بحمد الله، وبشيء من السكينة، وبأحلام الغد لم يكن أحد يفكر في كاميرا هاتف، أو في عدد المشاهدات، أو في صناعة "ترند" عابر؛ بل كان همُّنا أن نطوي صفحة، ونستعد لفتح صفحة جديدة.
إن المشكلة ليست في الابتهاج نفسه، وإنما في اختلال معاييره فحين يصبح التقليد الأعمى بديلًا عن حسن التقدير، وتغدو الشهرة هدفًا يُطلب بأي وسيلة، يفقد الفرح معناه الحقيقي.
ومن الناحية التربوية، تظل الأسرة الحصن الأول في بناء الشخصية. فالحوار الهادئ مع الأبناء، وغرس الحياء، وتعليمهم احترام أنفسهم قبل احترام الآخرين، أمور لا تقل أهمية عن توفير احتياجاتهم المعيشية. فالتربية الحقيقية هي بناء الضمير، وتنمية الوعي، ومساعدة الأبناء على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين التعبير عن الفرح والخروج عن حدود اللياقة.
كما أن المدرسة ليست مؤسسة للدراسة و الامتحانات فحسب، وإنما هي مؤسسة لبناء الإنسان. ومن حق المجتمع أن ينتظر منها غرس القيم إلى جانب المعرفة، وأن يرى أثر ذلك في سلوك طلابها كما يراه في نتائجهم الدراسية.
وإذا كانت الأسرة تغرس البذرة، فإن المدرسة ترعاها، ويكمل المسجد والإعلام الواعي مسيرة البناء، حتى تتكامل الأدوار، ولا يترك الأبناء نهبًا لكل مؤثر طارئ.
ومن المنظور الشرعي، يبقى الحياء أحد أعمدة الأخلاق، وقد قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وليس المقصود بالحياء الانطواء أو ضعف الشخصية، وإنما هو ذلك الرقيب الداخلي الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويجعله يراجع سلوكه قبل أن يقدم عليه.
.
إن الاحتفاء الحقيقيء بانتهاء الامتحانات ليس برقصة عابرة تنتهي بانتهاء مقطع مصور، وإنما بحمد الله على التوفيق، وبرِّ الوالدين، والاستعداد لمرحلة جديدة من الحياة.
فالنجاح لا تقاس قيمته بورقة شهادة فحسب، وإنما بما يتركه في صاحبه من نضج، وما ينعكس على سلوكه من خلق فالعلم يرفع صاحبه إذا زانه الأدب، ويبهت بريقه إذا فارقته الأخلاق، وما أحوج أوطاننا إلى شباب يجمعون بين التفوق والاستقامة.



