بقلم : د. انور منير
في موكب التاريخ كم سقطت ممالك وتبدلت عواصم' واندثرت جامعات وخبت منارات كانت تشع علمًا، وتغرس قيمًا! وبقي الأزهر شامخًا بصدق رسالته وعظيم أثره، وإذا كان الأزهر الشريف قد تخطى أكثر من عشرة قرون ثابتًا في رسالته، متجددًا في عطائه، فإن السؤال الجدير بالتأمل هو: لماذا بقي الأزهر... وغاب غيره؟
لم يكن بقاء الأزهر الشريف لأكثر من ألف عام حادثةً عابرة في سجل التاريخ، ولا ضربا من ضروب المصادفة، وإنما كان ثمرة سننٍ لا تحابي أحدًا؛ فالتاريخ لا يمنح الخلود لمؤسسة لأنها الأقدم، بل لأنها الأصدق رسالة، والأقدر على أداء وظيفتها عبر الأزمان.
أقرأ أيضًا| جسر الأزهر إلى المستقبل
وأول أسرار هذا البقاء: أن الأزهر أدرك منذ نشأته أن الثبات لا يعني الجمود، وأن التجديد لا يعني التفريط؛ فثبت على أصول الدين، وجدد في وسائل التعليم والدعوة، وحفظ التراث من التحريف، وفتح أبواب الاجتهاد المنضبط، فجمع بين أصالةٍ تمنحه الرسوخ، ومرونةٍ تكفل له الاستمرار، حتى غدا نموذجًا للمؤسسة التي تواكب عصرها دون أن تتخلى عن هويتها.
ولم يكن الأزهر يومًا مؤسسةً تمنح الدرجات العلمية، بقدر ما كان صرحا إنسانيا فريدا يصنع الإنسان وينير جوهره ويصقل معدنه ليخرج لنا علماء ربانيين مهمومين بقضايا دينهم ووطنهم وأمتهم ففي رحاب الأزهر الشريف تربى العلماء على أدب الخلاف، والإنصاف في الحكم، والرحمة في الدعوة، فخرجوا يحملون علمًا يهدي ولا يُقصي، ويبني ولا يهدم. ومن بين أروقته انطلقت قوافل العلم إلى مشارق الأرض ومغاربها، تحمل لغة القرآن، وتنشر سماحة الإسلام، حتى أصبح خريجوه سفراء للإنسانية والاعتدال قبل أن يكونوا سفراء للعلم.
ولأن رسالة الأزهر لم تُحبس داخل جدرانه، قصده آلاف الطلاب من شتى بقاع الأرض، فعادوا إلى أوطانهم يحملون منهجه الوسطي وروحه العلمية، فغدت رسالته عالمية، ولها دور عظيم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب، وترسيخ الصورة الصحيحة للإسلام في زمن كثرت فيه الشبهات، واختلطت فيه الأصوات.
وإذا كانت مؤسسات كثيرة قد اكتفت بالعيش على أمجاد الماضي حتى أدركها الأفول، فإن الأزهر جعل من تاريخه تكليفًا لا تشريفًا، ومن ماضيه منطلقًا لا محطة، ومن أمسه وقودًا لغده، لا قيدًا على حاضره. ولذلك ظل حاضرًا كلما احتاجت الأمة إلى صوت الحكمة، ومرجعًا كلما اشتدت الفتن، ومنارةً كلما اختلطت السبل؛ لأنه لم يغيّر رسالته، وإنما جدّد وسائل أدائها.
فإذا أردت أن تعرف سر بقاء الأزهر، فلا تنظر إلى عمر بنائه، ولكن انظر إلى صدق رسالته؛ فالمباني تشيخ، والدول تزول، أما الرسالات التي تُبنى على العلم والإخلاص والاعتدال فلا يطويها الزمن. وما دام الأزهر وفيًّا لرسالته، فسيظل منارةً تهدي العقول، وحصنًا يصون الهوية، وضميرًا نابضًا للأمة، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.



