تسعى الدولة المصرية جاهدة للحد من ظاهرة التسول ومخاطرها التي انتشرت فى الآونة الأخيرة بشكل مبالغ فيه، فالتسول أصبح مهنة يمتهنها الكثير لجمع المال دون عناء أو مشقة، واختلفت الأساليب بين كل شحاذ وآخر فى استدرار عطف المارة، والتفنن فى خلق الأعذار واستخدام عبارات الدعاء.
ووفقًا لبعض التقديرات بلغ عدد المتسولين نحو نصف مليون شخص عام 2017م، منهم 97 ألف طفل، بينما سجلت إحصائية 2019م نحو 41 ألف متسول، لتحتل مصر المرتبة الثانية عربيًا بعد المغرب، وتتصدر القاهرة قائمة المحافظات الأكثر انتشارًا للظاهرة، يليها محافظات الصعيد، والمدن السياحية.
«اللواء الإسلامي» ناقشت القضية مع خبراء الصحة النفسية، وعلماء الدين، والقانون للوقوف على خطورة هذه الظاهرة ومعرفة الدوافع النفسية وسبل العلاج.
د. مي عبد اللاه : المتسول لا يعرف .. القيم أو الأخلاق
تقول د. مي عبد اللاه استشاري الطب النفسي بـوزارة الصحة إن سيكولوجية الفقر، تعد إحدى العوامل النفسية المؤدية للتسول حيث تنحدر فيها القيم ويصبح الإنسان عاريًا من الحدود الأخلاقية والقيمية، لافتة إلى أن بعض المتسولين يكون هذا السلوك عارضًا بالنسبة لهم، نتيجة الحاجة الشديدة أو الاضطرار والإحباط المستمر من الفقر وعدم القدرة على كسب المال بطرق مشروعة، فى حين أن الأغلبية يحترفون التسول حتى أصبح مهنة فى حد ذاتها، ولا ننسى قصصًا متعددة لمشاهير من المتسولين الذين تبين أنهم أصحاب أملاك وأموال رغم رثاثة ثيابهم وتسولهم المستمر.. وتوضح د. عبد اللاه، أن هناك دوافع نفسية أخرى كاضطرابات الشخصية، فبعض الأشخاص يكون التسول جزءًا من تكوين شخصيته، أن يستجدي الآخرين، ويستدر عاطفتهم أكثر من مرة، وهو تصرف نابع من اضطراب الشخصية المحتالة أو الاعتمادية أو العدوانية أو الهستيرية، وهي سمات سايكوباتية، تجد متعتها فى أخذ المال عن طريق الإلحاح وخديعة الآخرين.
اضطراب الشخصية
وترى أن التسول قد يكون سلوكًا عدوانيًا لاختراق الحدود والعنف السلبي والابتزاز المادي والعاطفي، وقد يكون عدوانًا موجهًا للمجتمع كاضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، «أنا مضغوط ومحبط وفقير إذن لا أحد يعيش بسلام، لابد أن يعانوا بإيذائي سواء سرقة، تحرش، تسول»، وهناك من يعد التسول مهنة وتسلسلًا زمنيًا لمجريات الحياة له ولأولاده «التسريح من أجل الشحاذة»، وأغلبهم إذا عرضت عليهم فرصة عمل للكف عن الشحاذة رفض وقال: «ما أنا بالفعل بشتغل وبنزل الشغل كل يوم» يقصد الشحاذة والتسول، وربما ذلك من أثر الجهل أيضًا، وهذا ما وجدنا عليه آباؤنا.
أقرأ أيضا : علماء الأزهر : التسول ظاهرة محرمة في الإسلام
وتضيف د. مي أن تأثير التسول على الأطفال قصة مختلفة، لأن هذا السلوك من الكبار يعودهم على نمط حياة غير إنساني وحمايتهم من ذلك يكون بشكل مجتمعي، فالأهالي غير مؤهلين لذلك لا اقتصاديًا ولا نفسيًا ولا سلوكيًا، وهذا يعتبر تجرؤًا واعتداءً على طفولتهم وعلى أبسط حقوق واحتياجات الطفولة من تعليم وكرامة واحتواء ودفء وتركيز على بناء الشخصية والرعاية الصحية والغذائية، فالتسول يحرمهم كل هذه الحقوق ويخرج لنا أطفالًا غير أسوياء، بالإضافة أنهم يتعرضون لركل المارة ونبذ مجتمعي وإهدار للكرامة، وربما تحرش واغتصاب واستغلال مادي فى أعمال لا تتناسب مع طفولتهم الغضة.
وتشير د. مي إلى أن الدور المجتمعي يكون من الحكومات كتوفير الحدود المعيشية الدنيا للحياة وتوفير فرص عمل وتأهيل غير المتعلمين وتحديد النسل وجميع الإجراءات الإنسانية التي تكفل الكرامة الاجتماعية، مؤكدة أهمية المبادرات الرئاسية المهمة للتكافل والكرامة وكروت ذوي الإعاقات والمعاشات المختلفة.

د. محمد عبد المحسن : تدخل تحت حكم .. أكل أموال الناس بالباطل
ويؤكد د. محمد عبد المحسن العزازي عضو لجنة الفتوى بـالأزهر الشريف بسوهاج، أنَّ ظاهرةَ التَّسوُّلِ ظاهرةٌ مُقلِقة ومُفزِعةٌ للمجتمعات إذ تُشجِّع على البطالة، وعلى الكسل، والخمول، لا سيَّما وقد صارت مهنةً يمتهنها الناس، ويُساق إليها الأطفال، وتُستغلُّ فيها النساء، وهذا أمرٌ خطيرٌ على أمن المجتمع وسلامته وتقدُّمه ورُقيِّه، كما أن المال الذي يجمعه المتسول غيرُ مستحقٍّ له، وغيرُ محتاجٍ إليه، فيعد من باب أكل أموال الناس بالباطل، وهذا حرامٌ شرعًا؛ فقد ضيَّع فرصةَ إعطاء المال للمستحقين الحقيقيين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: «مَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر»، ومعنى ذلك أنه من سأل الناس وهو غير مستحق، وغير محتاج، عن طريق التسول فى الطرقات، أو أمام أبواب المساجد، أو فى المستشفيات، أو فى وسائل المواصلات، فأعطاه الناس، فليعلم أنَّ هذا المال المجموع من التسول سيكون يوم القيامة جمرًا يُصلى به، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «إنَّ المسألة لا تَصْلُحُ إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقع، أو لذي غُرم مُفظع، أو لذي دم مُوجع».
أقرأ أيضا : علماء الأزهر : التسول ظاهرة محرمة في الإسلام ويمنع صول الصدقات لمستحقيها
ويشير د. محمد إلى أن حكم إعطاء المتسول له ثلاثة أحوال فالحالة الأولى إذا علم الإنسان وتيقن أو غلب على ظنه أن السائل المتسول فقير بالفعل ويحتاج وغير قادر على الكسب، فلا حرج فى إعطائه من الصدقات، والحالة الثانية إذا علم الإنسان وتيقن أو غلب على ظنه أن السائل المتسول لا يحتاج وقادر على الكسب فلا يعطيه لأنه لو أعطاه فقد ساعد فى انتشار هذه الظاهرة السلبية فى المجتمع وساعد السائل على أكل أموال الناس بالباطل، والحالة الثالثة إذا كان فى حيرة من أمره وهو فى حالة شك من السائل هل محتاج أم لا؟ فى هذه الحالة هو بالخيار أن يعطيه ما تطيب به نفسه أو يدعو له بكلمة طيبة وهذا لا يدخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.
ويوضح د. العزازي أن الفرق بين المحتاج والمستغل يظهر فى العفة والتعفف فالمحتاج الحقيقي عزيز النفس لا يسأل الناس إلحافًا، وقد يحسبه الجاهل غنيًا من التعفف.
ويرى د. محمد أن تعليم الأطفال التسول يعتبر إثمًا ومحرمًا شرعًا لأن هذا يتنافى مع حقوق الطفل، فإن كان من يستغل الطفل فى التسول من أهله فقد ارتكب إثمًا لأنه قصر فى واجباته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ»، وإن كان من غير أهله فقد ضيع كرامة الإنسان التي قال عنها المولى عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فلابد من أن يقف المواطنون وقفة واحدة لهذه الظاهرة بأن يمتنعوا عن إعطاء المتسولين لاسيما وقد صارت مهنة يساق إليها الأطفال ويستغل فيها النساء، ونعطي الصدقات للمستحقين الحقيقيين من الفقراء والمساكين عن طريق التحري عنهم أو عن طريق الجهات المخولة بهذا الأمر.

د. أحمد كمال : الحل في تغليظ العقوبات الرادعة
ويشرح د. أحمد كمال أبوبكر محام بالنقض، التسول من وجهة نظر القانون فيقول: يُعد مسألة جنائية فى أغلب التشريعات، ومنها القانون المصري، حيث يُنظر إليه ليس فقط كسلوك فردي، بل كظاهرة اجتماعية لها أبعاد اقتصادية وأمنية، فالتسول قانونيًا هو قيام شخص بطلب المال أو المساعدة من الغير فى الأماكن العامة أو الخاصة، دون مقابل مشروع، وغالبًا باستعطاف الناس أو استغلال ظروف معينة «كالمرض أو الفقر أو الأطفال»، وقد نظم القانون المصري جريمة التسول فى إطار قانون مكافحة التسول رقم 49 لسنة 1933م، «وهو القانون الأساسي المعمول به حتى الآن مع بعض التعديلات»، وينص على أن يعاقب كل من يقبض عليه متسولًا فى الطريق العام أو الأماكن العامة بالحبس مدة قد تصل إلى شهرين أو غرامة مالية وفى بعض الحالات يتم إيداع المتسول فى مؤسسات رعاية اجتماعية بدلًا من العقوبة التقليدية، وتتشدد العقوبة إذا كان التسول فى صورة جماعية أو منظمة، وإذا كان المتسول قادرًا على العمل ويمتهن التسول تكون العقوبة أشد، ويعد ظرفًا مشددًا استخدام الأطفال أو ذوي الإعاقة فى التسول.
ويؤكد د. كمال أن الهدف من التجريم هو مكافحة هذه الظاهرة فلم يكن القانون ليستهدف الفقير بقدر ما يهدف إلى الحد منها كظاهرة منظمة أحيانًا وحماية المجتمع من الاستغلال خصوصًا استغلال الأطفال، وتوجيه المحتاجين إلى قنوات المساعدة الرسمية بدل الشارع.




