توجد حقيقة تُعد من أعظم حقائق الإيمان وأعمقها أثرًا في النفس، وهي أن لهذا الكون ربًّا حكيمًا لا يغيب عنه شيء، وأن ما يجري فيه ليس عبثًا ولا فوضى، بل هو جزء من تدبير إلهي محكم لا يختل ولا يضطرب. فالله سبحانه وتعالى، الذي خلق الخلق، يعلم خفايا النفوس، ويرى ما لا نرى، ويحيط علمه بما كان وما يكون وما سيكون، يقول تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تتغير نظرة الإنسان إلى كثير من الأحداث التي يمر بها، فما نظنه أحيانًا نهاية قد يكون بداية جديدة، وما نراه خسارة قد يكون في حقيقته نجاة، وما نعدّه حرمانًا قد يكون من أعظم أبواب العطاء.
م من أمنية تعلقت بها القلوب ولم تتحقق، فبكت عليها طويلًا، ثم اكتشفت بعد سنوات أن عدم تحققها كان خيرًا خالصًا ورحمة خفية. وكم من باب أُغلق في وجه صاحبه فظن أن الدنيا قد ضاقت به، فإذا بأبواب أخرى تُفتح له، تحمل من الخير ما لم يكن يتخيله يومًا.
إن الإنسان بطبيعته يميل إلى النتائج العاجلة، ويرغب في رؤية الحكمة كاملة قبل أن يخطو خطوة واحدة، لكنه يغفل أن علمه محدود، وأن نظرته لا تتجاوز ظاهر الأحداث، بينما تتجلى حكمة الله في الصورة الكاملة التي لا يحيط بها إلا سبحانه.
ولهذا فإن الإيمان الصادق لا يظهر فقط حين تأتي الأمور كما نريد، بل يتجلى على حقيقته حين تسير على غير ما نشتهي، فنرضى ونثق ونوقن بأن الخير قد يكون مختبئًا خلف ما تكرهه النفوس وتخشاه.
ومن هنا لم تكن قصص الأنبياء مجرد أحداث تاريخية تُروى، بل دروسًا خالدة في اليقين والثقة بالله. فعندما أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار، كانت كل الأسباب الظاهرة تشير إلى الهلاك، لكن يقينه بربه كان أعظم من النار نفسها.
عندما وقف موسى عليه السلام أمام البحر، وخلفه فرعون وجنوده، ورأى قومه أن النهاية باتت وشيكة، صدح صوت اليقين في كلماته الخالدة: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وبين كلمة الخوف وكلمة اليقين كان الفارق بين اليأس والنجاة، وبين الانكسار والنصر.
وما أجمل أن يتذكر الإنسان، في لحظات الضيق، أن الله الذي أنقذه من شدائد مضت قادر على أن ينقذه من شدائد الحاضر، وأن الذي رزقه بالأمس لن ينساه غدًا، وأن الذي دبّر له أموره في أوقات لم يكن يتوقع فيها الفرج، قادر على أن يفتح له أبوابًا جديدة من حيث لا يحتسب.
لذلك، إذا ضاقت بك السبل يومًا، وأثقلتك الهموم، وأحاطت بك المخاوف من كل جانب، فلا تستسلم لوساوس اليأس، ولا تجعل القلق يقود قلبك. ارفع بصرك إلى السماء، واستحضر يقينك بربك، وتذكر أن فوق كل سببٍ مُسبِّبًا، وفوق كل تدبيرٍ تدبيرًا إلهيًّا لا يخطئ طريقه إلى الخير. فليس كل انكسار نهاية، وليس كل تأخير حرمانًا، وخلف كل قدرٍ مؤلم حكمة قد لا تتكشف إلا بعد حين، ووراء كل ليلٍ طويل فجرٌ ينتظر أمر الله ليشرق، فيملأ القلوب نورًا وطمأنينة وأملًا.



