بقلم/ الشيخ علاء الدين أبو العزائم
الانتماء هو معنىً يعمر القلب ويستقيم به السلوك؛ فهو رابطةٌ تجمع الإنسان بأرضٍ وعِرضٍ وتاريخٍ وأمانةٍ، وتُولّد في النفس عزيمةً على حفظ الحقوق والقيام بالواجبات. وفي ضوء ما جاء به الدين الإسلامي الحنيف، يتجلّى الانتماء في صورة العبادة الجامعة: عبادةُ الله من جهة، وعمارةُ الأرض وخدمةُ الجماعة من جهة أخرى، فالذي يوقن بربه، يدرك أن حماية الوطن مقصدٌ من مقاصد الخير، وأن حفظ مقدرات الدولة من صيانة الأمانة التي استُرعيناها.
لقد جعل الإسلام الولاية والرحمة والتعاون أصلًا في بناء المجتمع، وجعل نصرة المظلوم حقًا، وحفظ النظام العام ضرورةً، واحترام العهود واجبًا، والانتماء بهذا المعنى يخرج من دائرة العاطفة إلى دائرة العمل؛ فلا يكتفي الشاب بالحبّ للكلام، بل يترجم حبه بالجدّ في الدراسة، والإتقان في العمل، والالتزام بالقانون، والصدق في المعاملة، والحرص على المال العام وعدم التفريط فيه، وهكذا يصبح الانتماء قوةً روحيةً وأخلاقيةً تسبق المعارك، وتحصّن الأمة من الداخل.
ومن روعة الانتماء أنه “يصنع المعجزات” بمعايير العقول، لا بمعايير الخرافات: معجزةُ أن يتكاتف الناس على مصلحة الوطن بدلًا من صراع المصالح، ومعجزةُ أن تتحول الأزمات إلى فرصٍ حين يصدق الجميع شعور المسؤولية، فحين تتوحّد القلوب على الهدف، تتقدم الأوطان، وتُصان الثغور، وتَصير القدرة الوطنية حصنًا ضد الفتن والتآمر.
إن الدفاع عن الوطن ليس فقط حمل السلاح؛ بل قد يبدأ بامتحانٍ ينجح فيه الطالب، وبمهنةٍ يُتقنها العامل، وبقرارٍ شجاعٍ يضع الحقيقة أمام الشائعة، وبوعيٍ يُغلق أبواب الاستهداف المعنوي، ولذلك فإن الواجب كبير على مؤسسات التنشئة لترسيخ الانتماء لدى النشء، حمايةً لمقدرات الدولة، وحفظًا للوطن، ومن أبرز هذه المؤسسات: الأسرة التي عليها أن تزرع في الطفل معنى الأمانة وحب الخير للناس، وتُنشئه على احترام النظام والوقت والقيم، والمدرسة والجامعة حيث غرس المهارات والقدرات مع التربية الأخلاقية؛ فتربط العلم بخدمة المجتمع لا ليصبح مجرد تحصيلٍ نظري.
وأيضاً المسجد والكنيسة حيث تعليم معنى المسؤولية الجماعية، وإظهار أن العمل الصالح أوسع من حدود العبادة الفردية، والإعلام ووسائل التواصل فينبغي أن يكون داعمًا للهوية والانتماء، لا مروّجًا للفرقة والتهوين من شأن الوطن، كذلك الأنشطة الشبابية والنوادي التي تصنع الانتماء عمليًا عبر خدمة المجتمع، والعمل التطوعي، وحفظ الممتلكات العامة.
إن الانتماء في الإسلام نورٌ يُضيء الطريق، وأمانةٌ تُسائل صاحبها، وعهدٌ يُثمر حمايةً وتقدمًا، فليكن شعارنا: أن حب الوطن عبادةٌ حين يقود إلى عملٍ صالح، وأن قوة الأمة تبدأ من قلبٍ مؤمنٍ وعقلٍ واعٍ وسلوكٍ مُتقن، والله أسأل أن يحفظ مصر وسائر الأوطان، وأن يجعل شبابها جنودًا للخير، أوفياء لمقدرات الدولة، راسخين في معنى الانتماء.



