ترد الراء فاصلة منفردة في سورة يتعاقب فيها الميم والنون، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النحل: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) النحل: 70، وقوله تعالى في سورة الأحقاف: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأحقاف: 33، وعلى الرغم من أن الراء تتفق مع النون والميم في كونها من الأصوات الصامتة التي تشبه الحركات عند النطق، وكونها مجهورة، إلا أنها تتسم بصفة تنفرد بها من دون الأصوات هي (التكرار)، وتلك الصفة جعلت من الراء صوتًا مختلفًا لا يتعاقب مع غيره من الأصوات لا في الكلمة الواحدة ولا في فواصل القرآن، لذلك ففي العدول إلى فاصلة الراء في هذا الموضع دلالة مرادة، وبخاصة أن كلمة الفاصلة المنفردة واحدة في كلتا السورتين.
اقرأ أيضًا: فى بلاغة الفواصل القرآنية 8
أما آية الأحقاف فيحتمل أن تكون على لسان الجن؛ إذ الآيات السابقة تتحدث عن إيمان الجن لما سمعوا القرآن وكيف أنهم عاجوا إلى قومهم يدعونهم إلى الحق. قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الأحقاف: 29-31، إنهم يستنكرون على كفار قريش تكذيبهم بالبعث، وجملة (إنه على كل شيء قدير) تذييل لبيان قدرته تعالى على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات.
وتأكد الكلام بـ (إنَّ) لرد إنكارهم أن يحيي الله الموتى وجيء في القدرة على إحياء الموتى باسم الفاعل (قادر)، وفي القدرة على كل شيء بالصفة المشبهة (قدير) التي هي أكثر ثبوتًا ودلالة على القدرة من اسم الفاعل، وإنما عبر القرآن بـ (قادر) و(قدير) مجاراة لأساليبهم في التعبير، ولكون الحديث عن الكافرين المنكرين حقيقة البعث.
لقد وردت قصة إيمان الجن معترضة بين الآيات فناسبها أن تختم بفاصلة مختلفة إشارة إلى انتهاء حديثهم، هذا فضلا عن أن العدول إلى فاصلة منفردة يراد منه إحداث تحول مفاجئ في الإيقاع لكي يتنبه المخاطب إلى خصوصية الآية التي يقع فيها ذلك الانفراد، ومن ثم يلتفت إلى ما فيها من معنى مراد خلف ذلك التحول الإيقاعي.
وأما آية سورة النحل فعدل فيها القرآن إلى روي الراء في سورة يتعاقب فيها الميم والنون أيضًا، ولعله من الجلي أنه لو كان مراد القرآن مراعاة التناسب في الإيقاع لقدَّم (قدير) وأخَّر (عليم) فتتوافق بذلك الفواصل ويطرد الإيقاع، لكن شيئًا من ذلك لم يكن؛ لأن تلاؤم المعنى في القرآن مقدم على تناسب الإيقاع، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) تذييل يُراد منه إثبات عظم قدرة الله، ومما يقول الطاهر بن عاشور: “وقدَّم وصف العليم لأن القدرة تتعلّق على وفق العلم، وبمقدار سَعة العلم يكون عظم القدرة، فضعيف القدرة يناله تعب من قوة علمه لأن همّته تدعوه إلى ما ليس بالنائل”.



