بقلم: نيفين ياقوت
لا أملك سوى قلمي، ولا أزعم أنني أمتلك سلطة أو نفوذًا، لكنني أؤمن أن الكلمة الصادقة قد تكون سلاحًا في مواجهة الانحدار الأخلاقي الذي بات يهدد مجتمعنا.
ولذلك أعتبر الكتابة والمشاركة في التصدي لهذه الظواهر نوعًا من النضال الوطني الذي ينبغي أن يشارك فيه كل مخلص يخاف على وطنه ومستقبل أبنائه.
عندما أتأمل ما نراه اليوم من جرائم بشعة، وانفلات أخلاقي، وصراعات اجتماعية، ومشاعر متزايدة من البغضاء والأنانية، أشعر وكأن شيئًا غريبًا قد أصاب النفوس.
وكأن الأنهار التي نشرب من مائها قد أُلقيت فيها مساحيق الكراهية، فشرب الناس منها دون أن يشعروا. وكأن المزروعات التي نقتات عليها قد سُقيت بمياه السموم والمستنقعات، فأثمرت اضطرابًا في الفكر، وخللًا في السلوك، وانعكاسًا في القيم.
كثيرًا ما أتساءل بيني وبين نفسي: هل ما أراه وأسمعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والبرامج الفضائية، وأروقة المحاكم، هو واقع حقيقي أم مشاهد مصطنعة ومبالغ فيها؟ وحتى لو افترضنا أن جزءًا منها نتاج تقنيات حديثة أو مبالغات إعلامية، فإن النتيجة واحدة؛ فالمجتمع يتأثر بما يراه ويتداوله، وتكرار المشهد يصنع واقعًا جديدًا ويؤثر في الوعي الجمعي.
ويبقى السؤال الأكبر: هل كانت ثورات الربيع العربي سببًا فيما يحدث؟
إنني أتذكر جيدًا حالة التفاؤل التي شعر بها كثيرون مع بداية عام 2019، حين بدأت مؤشرات التحسن تظهر في عدد من القطاعات، وبدت ملامح الخروج من عنق الزجاجة أقرب من أي وقت مضى. كانت هناك آمال معلقة على التنمية والإصلاح وبناء المستقبل.
لكن النجاح لا يخلو من خصومه. فكلما بدأت أمة في النهوض، ظهرت التحديات والعقبات التي تحاول تعطيل مسيرتها وتشتيت جهودها. ومن أخطر هذه التحديات إفساد الوعي، وإضعاف الأخلاق، وتفكيك الروابط الاجتماعية بين المواطنين، لأن انهيار القيم يفتح الباب أمام انهيار كل شيء آخر.
إن إفساد الأخلاق ليس قضية هامشية كما يظن البعض، بل هو أحد أهم أسباب التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. فلا تقدم بلا علم، ولا علم بلا وعي، ولا وعي بلا منظومة أخلاقية تحكم السلوك، وتحفظ الحقوق، وتدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج واحترام الآخرين.
إن معركة الأخلاق ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا المؤسسات التعليمية وحدها، ولا رجال الدين وحدهم، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله. مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمثقفين، وكل صاحب كلمة أو تأثير.
ومن هنا أدعو إلى إطلاق مبادرة مجتمعية كبرى لمناهضة العنف الاجتماعي، والكراهية، والتفكك القيمي، تقوم على نشر ثقافة الاحترام والتسامح والانتماء، وإحياء الفضائل التي كانت يومًا عنوانًا للمجتمع المصري.
ولأنني لا أملك سوى قلمي، فسأظل أؤمن أن الكلمة الصادقة قد تكون بداية طريق الإصلاح.



