بقلم/ الشيخ علاء الدين أبو العزائم
من أعظم مفاتيح الخير فى حياة الفرد والمجتمع اللِّين والحِلم؛ فبهما تتهيأ القلوب للصفاء، وتَسكن النفوس عن النزاع، وتَقوى أواصرُ المحبة بدل الخصومة، والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة قد قرّرا هذه القيمة وجعلاها من شيم الكرام، ودلّلا عليها فى مواقف كثيرة.
قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، أي إن المقام يقتضي أن يكون الردُّ بالحُسنى لا بالعُنف؛ فإذا كان الإنسان قادرًا على أن يردّ بالمثل، فالأفضل أن يردّ بما هو أكرم وأصلح، ومن اللين أيضًا ما نراه فى خلق المؤمنين حين يمشون فى الناس بالتسامح، ويجعلون الرحمة أسلوبًا لا استثناء.
وفى موضعٍ آخر يأمرنا ربنا جلّ شأنه بالحكمة والموعظة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] فالكلمة الطيبة أثرها عظيم، وهي لا تقتصر على مخاطبة اللسان، بل تُعبّر عن قلبٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، وروحٍ مُقبِلة على الإصلاح.
أما الحلم، فقد جعله الله خلقًا كريمًا يرفع صاحبه، وقد وصف الله عباده بأنهم إذا خُوطِبوا بالجهل لم يحملهم ذلك على الانفعال، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] هذا هو الحلم بعينه: سلامٌ لا يُهين، وكلمةٌ لا تجرح.
وفى السنة المطهرة يظهر معنى اللين والحلم جليًّا، فقد بيّن النبي ﷺ عظمة الأخلاق الحميدة فقال: «إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»، ومن مكارم الأخلاق اللين فى التعامل، والحلم عند الخصام، والرحمة عند القدرة، وروي عنه ﷺ أنه قال: «ليس الشديدُ بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ فالمحصلة أن الحلم ليس ضعفًا، بل هو قوةٌ تُوجَّه فى موضعها الصحيح.
كما علّمنا النبي ﷺ أسلوب التعامل مع من يؤذي: بالصفح والرأفة، وبيّن أثر الكلمة الطيبة، ففى الحديث: «الكلمة الطيبة صدقة»، فلو أدرك الناس أن كل لينٍ يزيل شكًّا، ويقرب بعيدًا، ويصلح حالًا، لاستقام ميزان المجتمع.
ومن هنا نفهم أن اللين والحلم ليسا “مجاملة” عابرة؛ بل هما منهجٌ تربوي لبناء المجتمعات، فإذا كان اللين بابًا للحوار، فإن الحلم حصنٌ يمنع الانهيار، ومعهما تزدهر البيوت، وتقوى الروابط، وتقلّ الخصومات، ويصبح الاختلاف رحمةً بدل أن يكون نقمة.
اجعلوا اللين ديدنًا فى البيع والشراء، وفى الخلاف والاتفاق، وفى الخطاب والإرشاد، واجعلوا الحلم عنوانًا عند الغضب، وصبرًا عند الاستفزاز، ورفقًا عند العتاب، فإن القلوب قد تنفر من القسوة، وتقبل من اللطف، وتستقيم بالهداية لا بالجدال.
من تمسّك بالقرآن والسنة فى خلقه، عاش مطمئنًا بين الناس، وترك أثرًا جميلًا فى المجتمع، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا اللين والحلم، ويجعلنا من أهل الإصلاح والفلاح، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.



