الحياء ليس خلقًا يمكن الاستغناء عنه أو اعتباره من مكارم الأخلاق فحسب؛ لأن أثره يتجاوز صاحبه إلى كل من يتعامل معه، فمن يستح من الله يراقب أفعاله قبل أن تصدر، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، ومن يستح من الناس يحفظ لسانه، ويزن كلماته، ويبتعد عن كل ما يجرح أو يؤذي. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من الإيمان»، وجاء القرآن يغرس هذا المعنى حين قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾؛ لأن حفظ البصر واللسان والجوارح لا ينفصل عن الحياء الكامن في القلب.
اقرأ أيضًا: لا شيء يرد المقادير
لكن ما نراه كل يوم يكشف تراجعًا واضحًا لهذا الخلق عند كثير من الناس، فلم تعد بعض التصرفات الخاطئة تثير استحياء أصحابها، بل أصبح التباهي بها أمرًا معتادًا، وكثرت الألفاظ الجارحة، واتسعت دائرة السخرية، وسهل كشف الأسرار ونشر الخصوصيات، وأصبح تجاوز الحدود في الخصومات أو عبر وسائل التواصل يحدث أمام الجميع دون شعور بالحرج، ولم يعد بعض الناس يخجل من الإساءة، لكنه يخجل من الاعتذار، ولا يتردد في جرح الآخرين، بينما يتردد في الاعتراف بخطأ ارتكبه.
ولهذا جاء التحذير النبوي: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، فهو وصف لحال من فقد الحياء حتى لم يعد في نفسه ما يمنعه من الخطأ أو قول الزور.
مع أن الحياء لا يعني ضعفًا ولا تنازلًا عن الحقوق، وإنما يمنع أن تتحول المطالبة بالحق إلى ظلم، أو يتحول الخلاف إلى إساءة، أو تصبح الجرأة مبررًا للتجاوز، وما نشهده اليوم من صور كثيرة فقدت حدودها يؤكد أن غياب الحياء لا يقف عند تصرف فرد، بل يترك أثره في الأسرة، وفي المجتمع، وفي لغة الناس وسلوكهم؛ لذلك يبقى الحياء من أعظم الأخلاق التي تحفظ الإنسان قبل أن تحفظ صورته أمام الآخرين.



