من أكثر ما يرهق الإنسان انشغاله الدائم بما تخبئه له الأيام، فيفكر كثيرًا فيما سيأتي ويحاول أن يرتب لكل أمر حسابه، أملًا في أن يتجنب ما يخشاه ويصل إلى ما يتمناه، ومع أن الأخذ بالأسباب أمر مطلوب، فإن الحياة تسير بما يؤكد في كل يوم أن هناك أمورًا لا تخضع لحسابات البشر، وأن ما قدره الله نافذ لا يرده حرص ولا يمنعه خوف.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتعلق بالأسباب وحدها، فهي وسائل يسعى بها وليست ضمانًا للنتائج، فكم من شخص خطط لأمر سنوات طويلة ثم جاءت الأمور على غير ما أراد، وكم من آخر ظن أن الأبواب أُغلقت كلها في وجهه ثم جاءه الفرج من حيث لا يحتسب.
ولو نظرنا إلى ما يدور حولنا لوجدنا أمثلة كثيرة تؤكد هذه الحقيقة. فقد يمتلك الإنسان علمًا أو خبرة أو قوة، ثم يعجز عن دفع أمر قدره الله له، وقد يمر آخر بظروف يظن معها أن النجاة مستحيلة ثم يكتب الله له مخرجًا لم يكن يتوقعه. وهنا يدرك المرء أن الأسباب مهما عظمت تظل محدودة، وأن الأمر كله لله وحده.
وفي هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»، وهي كلمات قليلة في ألفاظها، عظيمة في معناها، تبعث الطمأنينة في النفس وتعلم الإنسان أن ما جرى عليه لم يكن ليتغير، وأن ما لم يقع لم يكن مقدرًا له من الأصل.
وعندما يستقر هذا اليقين في القلب يخف كثير من القلق الذي يستهلك العمر دون فائدة، فيؤدي الإنسان ما عليه من عمل، ويبذل ما يستطيع من جهد، ثم يترك النتائج لله، فلا يظل أسيرًا للخوف من الغد ولا منشغلًا بما لا يملك تغييره.
إن الرضا بقضاء الله لا يمنع الحزن عند الشدائد ولا يلغي الألم عند الابتلاء، لكنه يمنح صاحبه قوة وثباتًا وقدرة على مواصلة الطريق، لذلك يبقى التوكل على الله من أعظم أسباب السكينة، لأن راحة النفس الحقيقية لا تأتي من التحكم في كل شيء، وإنما من الثقة بأن ما اختاره الله لعباده هو الخير، وأن رحمته أوسع من كل ما تضيق به النفوس.



