من بين المعالم الدينية التي توثق بدايات الوجود الإسلامي في أوروبا، يبرز مسجد شاه جهان بمدينة ووكينغ بوصفه أقدم مسجد شُيّد خصيصًا للعبادة في إنجلترا، وأحد أبرز الرموز التاريخية التي تعكس جذور الإسلام في المجتمع البريطاني. وقد ظل المسجد، منذ افتتاحه في أواخر القرن التاسع عشر، منارةً دينية وثقافية، استقبل أجيالًا من المسلمين وأسهم في ترسيخ قيم الحوار والتعايش.
اقرأ أيضًا: فيلمرسدورف - قرن من الحضور الإسلامي في أوروبا
شُيّد المسجد عام 1889 بمبادرة من المستشرق المجري غوتليب فيلهلم لايتنر، الذي أسس معهدًا للدراسات الشرقية في ووكينغ، بينما جاء تمويل البناء من السلطانة الهندية شاه جهان بيجوم، التي حمل المسجد اسمها تقديرًا لدورها في دعمه، وقد مثّل افتتاحه حدثًا استثنائيًا في تاريخ بريطانيا، إذ كان أول مسجد يُبنى لهذا الغرض على الأراضي الإنجليزية، في وقت كان عدد المسلمين في البلاد محدودًا للغاية.
ويتميز المسجد بطراز معماري مستوحى من العمارة الإسلامية المغولية في شبه القارة الهندية، حيث تتوسطه قبة بيضاء تعلوها زخارف دقيقة، تحيط بها مئذنة وأقواس ذات طابع شرقي، ليجمع بين البساطة والجمال المعماري، ويعكس التأثير الحضاري الإسلامي الذي انتقل إلى أوروبا عبر الهند.
وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، تحول مسجد شاه جهان إلى مركز رئيسي للجالية المسلمة الناشئة في بريطانيا، واحتضن العديد من الأنشطة الدينية والثقافية، كما شهد زيارات لشخصيات إسلامية بارزة ودبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأسهم كذلك في التعريف بالإسلام داخل المجتمع البريطاني من خلال المحاضرات والندوات والحوار مع أتباع الديانات الأخرى.
ومع اتساع أعداد المسلمين في المملكة المتحدة خلال العقود اللاحقة، احتفظ المسجد بمكانته التاريخية والرمزية، رغم إنشاء مئات المساجد الحديثة في المدن البريطانية، ولا يزال حتى اليوم يؤدي رسالته الدينية، ويستقبل المصلين والزوار والباحثين الراغبين في التعرف على تاريخ الإسلام في بريطانيا.
ويُعد مسجد شاه جهان اليوم من أبرز المعالم الإسلامية التاريخية في إنجلترا، إذ يجسد مرحلة مبكرة من حضور المسلمين في المجتمع البريطاني، ويعكس قدرة دور العبادة على أن تكون جسورًا للتواصل الحضاري والتفاهم بين الشعوب، بما يحمله من إرث ديني وثقافي يمتد لأكثر من 135 عامًا، ليبقى شاهدًا حيًا على عراقة الوجود الإسلامي في بريطانيا.



