بقلم: أ.د هشام السيِّد عطيَّة الجنايني
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
في ذكرى الهجرةِ النبويَّةِ الشريفةِ يتبادرُ إلى الأذهانِ مشهدُ الخروجِ من الوطنِ، وفراقُ الأهلِ، وتركُ الديارِ والأموالِ، وما صاحبَ ذلك من ألوانِ المُعاناةِ والابتلاءِ. غيرَ أنَّ المتأمِّلَ في أحداثِ الهجرةِ يُدركُ أنَّها لم تكنْ قصَّةَ ألمٍ فحسب، وإنَّما كانت مدرسةً ربَّانيَّةً عظيمةً تُعلِّمُ البشريَّةَ كيف يتحوَّلُ الألمُ إلى إنجازٍ، وكيف تصنعُ المحنُ المنحَ، وكيف يخرجُ من رحمِ المعاناةِ أعظمُ صورِ التمكينِ والنجاح.
لقد عاشَ النبيُّ ﷺ وصحابتُهُ سنواتٍ طويلةً في مكَّةَ بين أذى المشركينَ واضطهادِهم، حتى ضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبتْ، فكان الإذنُ الإلهيُّ بالهجرةِ إيذانًا بمرحلةٍ جديدةٍ من تاريخِ الدعوةِ. ولم يكنْ هذا الانتقالُ مجرَّدَ تغييرِ مكانٍ، وإنَّما كان انتقالًا من الاستضعافِ إلى التمكينِ، ومن ضيقِ المحنةِ إلى سعةِ الرسالة.
يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. إنَّها مشاهدُ شديدةُ القسوةِ في ظاهرِها: مطاردةٌ، وخوفٌ، واختباءٌ في غارٍ؛ لكنَّ الوحيَ يكشفُ لنا أنَّ معيَّةَ اللهِ كانت تصنعُ من هذه الشدَّةِ بدايةً لنصرٍ عظيمٍ؛ فالأحداثُ لا تُقاسُ بظاهرِها، وإنَّما بما يُقدِّرهُ اللهُ من نتائجِها وآثارِها.
ومن أعظمِ الدروسِ التي تُعلِّمُنا إيَّاها الهجرةُ أنَّ المؤمنَ لا يستسلمُ للواقعِ المؤلمِ، بل يُحسنُ توظيفَهُ في صناعةِ المستقبلِ؛ فالنبيُّ ﷺ لم ينتظرْ تغيُّرَ الظروفِ، وإنَّما أخذَ بالأسبابِ كلِّها؛ فخطَّطَ للهجرةِ، واختارَ الرفيقَ، واستأجرَ الدليلَ الخبيرَ بالطريقِ، ورتَّبَ الأدوارَ بين الصحابةِ، ثمَّ توكَّلَ على اللهِ حقَّ التوكُّلِ. وهكذا اجتمعَ كمالُ التوكُّلِ مع كمالِ الأخذِ بالأسباب.
وقد علَّمَنا القرآنُ أنَّ العسرَ ليس نهايةَ الطريقِ، فقال سبحانهُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. ولم يقلْ: «بعدَ العسرِ»، بل قال: ﴿مَعَ الْعُسْرِ﴾؛ إشارةً إلى أنَّ بذورَ الفرجِ تكونُ كامنةً في قلبِ الشدَّةِ نفسِها.
ولم يكن الألمُ في الهجرةِ مقتصرًا على النبيِّ ﷺ، بل شملَ أصحابَهُ الكرامَ؛ فهذا أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنه يتركُ مالَهُ وأهلَهُ، وهذا صهيبٌ الروميُّ رضيَ اللهُ عنه يتركُ ثروتَهُ كلَّها لينجوَ بدينِهِ، فيقولُ له النبيُّ ﷺ: «رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى». رواه الحاكم. إنَّها تضحياتٌ عظيمةٌ، لكنَّها كانت الثمنَ الذي دُفعَ من أجلِ بناءِ حضارةِ الإسلام.
ومن هنا نفهمُ أنَّ الإنجازاتِ الكبرى لا تُصنعُ في مناطقِ الراحةِ، وإنَّما تُولدُ غالبًا من رحمِ المعاناةِ؛ فما كان تأسيسُ الدولةِ الإسلاميَّةِ في المدينةِ، ولا بناءُ مجتمعِ الأُخوَّةِ والإيمانِ، ولا انطلاقُ الدعوةِ إلى العالمينَ، إلا ثمرةً مباشرةً لتلكَ التضحياتِ والآلام.
والهجرةُ ليستْ ذكرى تاريخيَّةً تُروى، بل منهجُ حياةٍ يُعاشُ؛ هجرةٌ من المعصيةِ إلى الطاعةِ، ومن الكسلِ إلى العملِ، ومن اليأسِ إلى الأملِ، ومن التبعيَّةِ إلى البناءِ والإصلاحِ. قال رسولُ اللهِ ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». متفقٌ عليه. فكلُّ مسلمٍ مدعوٌّ إلى هجرةٍ متجدِّدةٍ، يهاجرُ فيها بقلبِهِ إلى اللهِ، وبعملِهِ إلى مرضاتِهِ، وبأخلاقِهِ إلى معالي الأمور.
وختامًا، فإنَّ الهجرةَ النبويَّةَ تؤكِّدُ أنَّ العظماءَ لا تصنعُهم أوقاتُ الرخاءِ وحدَها، وإنَّما تصنعُهم -كذلك- ساعاتُ الشدَّةِ والابتلاءِ. وما أجملَ أن نتذكَّرَ في كلِّ عامٍ هجريٍّ جديدٍ أنَّ الألمَ إذا صاحبَهُ الإيمانُ، واليقينُ، وحسنُ العملِ، تحوَّلَ -بإذنِ اللهِ- إلى أعظمِ الإنجازات.



