مقام العمامتين

حسين الطيب
حسين الطيب

بين مسجدَي السيدة زينب والسيدة نفيسة، حيث يرقد في مقامٍ واحدٍ جسدٌ يُطلّ على الجنة، ورأسٌ أضاء السماء ثلاث ليالٍ فوق الفرات.

فحين تشقّ طريقك في أطراف شارع السدّ، وتجتاز جحافل الجزّارين وأصحاب البسطات المنتشرين حتى عتبة الباب، تحسّ أن ثمة شيئًا يشدّك من بعيد؛ ليس مجرد مبنى، بل مكانٌ يشتعل بحكايات أكبر من حجارته. هذا هو مسجد زين العابدين في حي زينهم؛ المسجد الذي شاءت الأقدار أن يجمع تحت سقفه عمامتين، وفي صدره مقامين: جسدَ الأب، ورأسَ الابن.

"لا شكّ أن في هذا المكان رأسَ الابن وبركةَ الوالد."
الشيخ محمد زكي إبراهيم

يقع هذا المسجد في قلب مثلثٍ مقدّس، حيث تحضن السيدة زينب من جهة، وتبارك السيدة نفيسة من الجهة الأخرى، وبينهما يرابط الإمام زين العابدين كحارسٍ أبدي لا يغيب. فلم يكن المسجد سابقًا على هذه الهيئة؛ فقد كان في الأصل براحًا يحيط بالمقام، قبل أن يضيف إليه عثمان آغا مستحفظان توسعاته في مطالع القرن التاسع عشر. أما الآثار الفاطمية فلم يبق منها إلا ثلاثة شهود: يافطةٌ مُزيَّنة فوق بوابة البراح، ولوحةٌ قرآنية على يمين الداخل، وحجرٌ أخضر يحمل من الحكايات ما يعجز عنه الحكاؤون.

ويُسمّيه أهل الحي "المذبح"، لا لدمٍ يُراق، بل لأنه في معتقدهم يذبح كل شقيٍّ أراد بهم سوءًا. ولهذا تراهم يُقدّمون شكاواهم ومظالمهم إلى صاحب المقام قبل أن يتوجهوا إلى الحكومة، وكأن للبركة دواوين لا تُغلق، وللكرامة وساطةً لا تُردّ.

ومن أهم الآثار الموجودة بالمسجد، والتي نُسجت حولها حكايات وأساطير، ذاك الحجر الضخم الواقع على يسار الداخل إلى المقام، حيث يستقرّ حجرٌ من البازلت الأسود، تم طلاؤه بالأخضر تمييزًا له. وتقول الحكاية الأولى: إن زين العابدين لمّا قدم مصر مع عمّته العقيلة، كان المكان معبدًا يهوديًا، وكان يطارده بعض أعداء أهل البيت، فأشار إلى الحجر بيده فارتفع، ودخل المعبد، فلما رأى ذلك كاهن المعبد أسلم على الفور حين رأى ما رأى. أما الحكاية الثانية، وهي الأقرب للحقيقة، فتقول إن محمد علي باشا أحضره من أنقاض الكعبة حين جدّدها، فأودعه المسجد تشريفًا وتبركًا. وتروي شركة المقاولون العرب، حين جدّدت المسجد، أن معداتها لم تستطع تحريك الحجر من مكانه، فبنوا الجدار من فوقه وتركوه على حاله.

زين العابدين.. الإمام السجاد

حين انتهت كربلاء بدمائها، كان الإمام زين العابدين، ابن أربعة وعشرين عامًا تقريبًا، يحمل من المرارة ما يكفي قرنًا. لكن الله أراد له أن يكون عِقدًا يربط النسب النبوي الشريف من عَقِب الحسين، فحوّل المرارة إحسانًا، والحزن صلاةً. وقيل إنه كان يصلّي في اليوم ألف ركعة، وأنه إذا توضّأ اصفرّ لونه وارتجف، فسألوه، فقال: "أتعلمون بين يدي مَن أقف؟"

كان يوزّع الصدقات ليلًا والناس نيام، يحمل الجراب على ظهره وكتفيه إلى بيوت الأرامل والمساكين. ولمّا مات وانقطع العطاء، وجد أهل المدينة في ظهره آثار الحمل، ففهموا من أين كانت تأتي النعمة في الظلام. كان يقول: "صدقة الليل تُطفئ غضب الرب، وتُنير القلب والقبر."

الفرزدق، حين تجاهل هشام بن عبد الملك معرفته

ومن أشهر المواقف الخالدة في حياة الإمام زين العابدين ما سجله المؤرخون والرواة والحكاؤون، حينما حجّ هشام بن عبد الملك بن مروان، وطاف، وحاول استلام الحجر الأسود فأخفق من شدّة الزحام، فجلس ينتظر محاطًا بحاشيته ووجاهه وسلطانه. وبينما المشهد كذلك، ظهر فجأة وسط الزحام الإمام زين العابدين، فيفوح طيبًا فتعرف الناس مجيئه، فانفرج الناس وتنحّوا إجلالًا، حتى استلم الحجر وانصرف. فسأل هشام بن عبد الملك مستنكرًا: مَن هذا الذي تنفتح له البطحاء؟ وكان الفرزدق في جواره، فانتصب مادحًا الإمام بأبيات شعر لا تُردّ، قائلًا:

هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه
والبيتُ يعرفُه والحِلُّ والحرَمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلِّهمُ
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَهُ
بجدِّه أنبياءُ اللهِ قد خُتموا

فأُلقي به هشام في السجن، ثم أُطلق سراحه خوفًا من لسانه.

وعلى نفس النهج والخُطى كان زيد بن علي زين العابدين، الذي وصفه أبو حنيفة النعمان فقال: "ما رأيتُ في زمانه أفقهَ منه، ولا أعلم، ولا أسرعَ جوابًا، ولا أبينَ قولًا، لقد كان منقطعَ القرين." التقى بهشام، فقال له الطاغية: سمعتُ أنك تحدّث نفسك بالخلافة وأنت ابن أَمَةِ وَلَدٍ. فردّ عليه زيد: كان لإبراهيم ولدان، أحدهما من أَمَةِ وَلَدٍ هي هاجر، وهو إسماعيل، فأخرج الله من عقبه خيرَ خلقه محمدًا. فبُهت هشام وأمره بالخروج. فقال له زيد: إذن لن تراني إلا حيث تكره.

وكان ذلك آخر الكلام. فخرج إلى العراق، وبايعه أهل الكوفة ثم خذلوه، كما خذلوا جدّه من قبل، فلم يبق معه إلا ثلاثمائة أو أقل. ورُمي بسهمٍ أصاب جبهته اليسرى فقضى شهيدًا سنة 122 هـ. ثم جاء الأمر الأشدّ: حيث صُلب جسده بالكناسة عامين كاملين، وطيف برأسه في البلاد. وحين مات هشام، أنزل الوليد الجسد وأُحرق، وذُرّ رماده في نهر الفرات، فأضاء نورًا بين الفرات والسماء ثلاث ليالٍ، كأن النور يأبى أن يُطفأ.

اقرأ أيضا:الهجرة النبوية.. ميلاد أمة وبناء دولة

ولمّا كان من شدة العداء بين الأمويين وأهل البيت، أمر الوليد عمّاله أن يطوفوا بالرأس الشريفة في البلاد ليعلم الجميع أن الأمر استتب لبني أمية. وحينما أُحضرت الرأس إلى مصر، ووُضعت على سُلَّم منبر الجامع الكبير مسجد عمرو بن العاص، علم أهل مصر بما جرى، فخطفوا الرأس الشريفة من موضع تعليقها وأخفوها في المكان ذاته الذي كان يتعبّد فيه والده زين العابدين، ودُفنت في ذلك الموضع، إلى أن ظهر وبُني عليه مشهدٌ في عهد الدولة الفاطمية.

ولهذا وُضعت عمامتان أعلى شاهد القبر، دلالةً لا زينةً: عمامةٌ للأب الذي رقد في المدينة المنورة، لكن بركته تسبق الجسد، وعمامةٌ للابن الذي حُمل رأسه شهيدًا فاستراح هنا بعيدًا عن خشبة الكناسة. وبين العمامتين يقرأ الزائر تاريخًا مكثفًا: مرارة كربلاء، وشهادة الكوفة المكررة، وصبرًا لا يعرف الاستسلام.

وللمقام مولدٌ يتفرّد به عن سائر مقامات آل البيت في القاهرة، يُسمّى "الرجبية"، يختتم به الأهالي العام الهجري، وفيه من البركة والتجارة والصخب ما يشهد له الحي كله. أما المظالم والطلبات والصور والروشتات الطبية فتتناثر حول المقصورة يوميًا، يرجو أصحابها أن يُوجَّه السهم الذي قُتل به زيد إلى صدر كل ظالم.

وعلى مسافةٍ ليست ببعيدة، في حي الجمالية شرقي مسجد الحسين، ترقد أم الغلام شهربانو بنت ملك الفرس، وبجوارها زوجة ابنها فاطمة بنت الحسن. فاجتمع شمل الأسرة الشريفة في مقامين: الأب والابن في زينهم، والأم والزوجة في حي الحسين، كأن القاهرة لم تكتفِ بأن تُضيّفهم، بل أبت أن تُفرّق بينهم.

ليظل مسجد زين العابدين، بحجره الذي لم تحرّكه المعدّات الحديثة، وعمامتيه اللتين ترويان مظالم أهله المتراكمة حول المقصورة، شاهدًا على أن بعض الأماكن لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالدم والبركة والذاكرة المديدة. وإذا سألتَ أهل زينهم مَن يحكم الحي، أشاروا إلى المسجد قبل أن يُشيروا إلى أي سلطة أخرى.

 

ترشيحاتنا