الهجرة النبوية إحياء أمة وبناء دين، حيث قدمت لنا خريطة طريق للعبور إلى الطريق الصحيح في حياة البشرية بمفهوم علمي وإعداد جيد، من دروس وعبر نتوقف عندها لنتعلم منها.
ومن هذه الدروس التخطيط الجيد والأخذ بالأسباب، حيث أعد صلى الله عليه وسلم، فاختار التوقيت المناسب، والصديق المناسب، والمكان الأمثل، وتوظيف الطاقات. فكان صاحبه في الهجرة أبو بكر الصديق.
أما عن التوقيت، فقد جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقتٍ شديد الحر، ولا يخرج فيه أحد، وكان الخروج للهجرة ليلًا حرصًا على السرية.
اقرأ أيضا| مبدعات بجامعة الأزهر
أما عن اختيار المكان والطريق المناسب، فتجلى ذلك في اختياره صلى الله عليه وسلم طريقًا غير مألوف للناس، فسلك الطريق الذي لا يخطر على بال قريش، وسلك هذا الطريق حتى جبل ثور، ثم اختار غار ثور للاختباء فيه، ثم عمل على توظيف الطاقات، فاختار الشخص المناسب في المكان المناسب، فاختار عليًّا رضي الله عنه أن ينام في فراشه ليُسلِّم الودائع ويلحق بعد ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم، واختار عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما ليكاشف تحركات العدو، ثم يأتي بالخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واختار عامر بن فهيرة رضي الله عنه الراعي الذي يرعى بغنمه في نفس المسار الذي يسير فيه عبد الله بن أبي بكر ليمحو أثر المسير حتى لا يتعقبه المشركون، واختار أسماء ذات النطاقين رضي الله عنها تحمل الطعام من مكة إلى الغار، واختار عبد الله بن أريقط خبير الصحراء ليكون دليلًا لهما.
ثم جاء التوكل على الله تعالى، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب وأعد وخطط، لكنه لم يركن إلى الأسباب فقط، وكان متعلقًا بالله، متوكلًا عليه، فحين وصل المشركون إلى الغار قال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا! فكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟».
وهذا دليل على شدة تعلقه بربه وتوكله عليه، وتجلى أيضًا حين أدركهما سراقة بن مالك، ودعا صلى الله عليه وسلم ربه، فسقط سراقة وفرسه، فعفا عنه صلى الله عليه وسلم، وعاد وتركهما.
ثم التضحية، وهي من أعظم دروس الهجرة، تعلم التضحية في سبيل الله تعالى نصرةً لدينه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطر إلى مغادرة بلده الذي وُلد فيه وترعرع.
علينا أن نتعلم من الهجرة الانتماء والعطاء والتضحية والأخذ بالأسباب.. كل عام وأنتم بخير.



