تجلِّياتُ الجبرِ الإلهيِّ في الهجرةِ النبويَّة

هبة إبراهيم سالم عضو مركز الازهر العالمي للفتوي الإلكترونية
هبة إبراهيم سالم عضو مركز الازهر العالمي للفتوي الإلكترونية

هبة إبراهيم سالم: عضو مركز الازهر العالمي للفتوي الإلكترونية
لم تكن الهجرةُ النبويَّةُ الشَّريفةُ مجرَّدَ حدثٍ تاريخيٍّ عابرٍ، أو خطَّةٍ جغرافيَّةٍ للانتقالِ من أرضٍ إلى أُخرى فحسب، بل هي مدرسةٌ روحيَّةٌ متكاملةُ الأركانِ، تتجلَّى فيها قيمُ التوكُّلِ واليقينِ.ال«الجبرِ الإلهيِّ» الذي يأتي دائمًا ليثبِّتَ القلوبَ المؤمنةَ بعد الصبرِ والابتلاءِ، لتؤكِّدَ قصَّةُ الهجرةِ أنَّ معيَّةَ اللهِ تكلأُ الصادقين، وأنَّ رح

والأهمُّ من ذلك أنَّها تتجسَّد فيها أسمى معاني متَه تتَّسعُ لمن ضاقتْ بهم الأرضُ بما رحبت.

ألمُ الفراقِ الإنسانيِّ وفلسفةُ الابتلاءِ الصامت:

أقرأ أيضا : الهجرة إلى المعرفة

تقضي سُنَّةُ اللهِ في خلقِه بأنَّ الجبرَ يأتي بعد شدَّةٍ ومشقَّةٍ، وأنَّ التمكينَ لا يكونُ إلَّا بعد ابتلاءٍ. ولكي ندركَ عظمةَ الجبرِ الإلهيِّ في الهجرةِ، لا بدَّ أن نستحضرَ حجمَ المعاناةِ الروحيَّةِ والماديَّةِ التي سبقتْها؛ فقد وصلَ الاضطهادُ والمشقَّةُ برسولِ اللهِ ﷺ ومن معه من المسلمين إلى ذروتِه حين أُخرجوا من مكَّةَ، وهي أحبُّ البلادِ إلى قلوبِهم، وتركوا فيها ذكرياتِهم ومقدَّساتِهم، كما خرجوا – بمقاييسِ الدنيا – «بلا مأوى ولا مال»، بعدما صادرتْ قريشٌ ديارَهم وتجارتَهم.

وفي وسطِ هذا التهديدِ والضيقِ والملاحقةِ، تجلَّى اسمُ اللهِ «الجبَّارُ» بمفهومِه الرُّوحيِّ الحاني؛ فالجبَّارُ في حقيقتِه هو الذي يجبرُ القلوبَ، ويداري ضعفَ المستضعفين، ويعوِّضُ الصابرين عمَّا فقدوه تعويضًا يُنسيهم مرارةَ الفقدِ. وتلك هي الرُّوحانيَّةُ الأسمى للهجرةِ: الأخذُ بالأسبابِ كاملةً "عبر التخطيطِ، والتخفِّي، والدليلِ"، مع نزعِ ثقةِ القلبِ من هذه الأسبابِ وتعليقِها بمسبِّبها وحده، جلَّ شأنُه، وهنا ينزلُ الجبرُ كأثرٍ مباشرٍ لهذا التوكُّلِ المطلق.

وقد وثَّق القرآنُ الكريمُ محطَّاتِ هذا الجبرِ الرُّوحيِّ في طريقِ الهجرةِ بآياتٍ تتنزَّلُ بردًا وسلامًا على القلوبِ، متتبِّعةً لحظاتِ الحزنِ البشريِّ لتداويَها بالوعدِ والسَّكينةِ. وتتجلَّى أُولى هذه المحطَّاتِ في «جبرِ المواساةِ والوعدِ بالعودةِ»؛ فعند خروجِ سيِّدنا النبيِّ ﷺ من مكَّةَ، وقف على مشارفِها والتفتَ إليها محزونًا بفراقِها، قائلًا: (واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ).

وفي تلك اللحظةِ الإنسانيَّةِ المليئةِ بألمِ الفراقِ، أنزلَ اللهُ تعالى جبرًا قاطعًا يربطُ على قلبِه الشريفِ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ [القصص: 85]، فكان هذا الوعدُ أوَّلَ جرعةِ جبرٍ معنويٍّ تطمئنُ سيِّدَنا النبيَّ ﷺ بأنَّ الفراقَ مؤقَّتٌ، والعودةَ حتميَّةٌ.
أمَّا المحطَّةُ الثانيةُ، فكانت «معيَّةَ اليقينِ في الغارِ»، فحين أحاط المشركون بـ«غارِ ثورٍ».

وصار سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ وصاحبُه في مرمى أبصارِهم، تحوَّلتِ المشقَّةُ والأخطارُ المحيطةُ إلى أمنٍ مطلقٍ بطمأنينةٍ داخليَّةٍ خلَّدها التنزيلُ الحكيمُ في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].

لغةُ اليقينِ النبويِّ في مواجهةِ انعدامِ الأسبابِ:

وهذا التدفُّقُ الرُّوحيُّ تُظهرُه السُّنَّةُ المطهَّرةُ بشكلٍ أعمقَ، حيثُ كان اليقينُ بالجبرِ يملأُ قلبَ المصطفى ﷺ حتَّى في الساعاتِ التي تنعدمُ فيها الأسبابُ الماديَّةُ للنجاةِ. يروي الإمامُ البخاريُّ في صحيحه عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه قال: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فقال ﷺ، مستعصمًا بالجبرِ الإلهيِّ، وفي قمَّةِ عزِّه وثباتِه: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟».

إنَّ هذه الكلماتِ لا تعكسُ استهانةً بالأخطارِ، بل تُجسِّدُ قمَّةَ الوعيِ الرُّوحيِّ والصلابةِ الإيمانيَّةِ التي بثَّها سيِّدُنا النبيُّ ﷺ في نفوسِ أصحابِه؛ فبينما كان يهاجرُ في وسطِ الصحراءِ القاحلةِ، كان يبثُّ الأملَ ويعدُ بظهورِ الدِّينِ وانتشارِه، ممَّا يعكسُ ثقةً مطلقةً في أنَّ اللهَ سيجبرُ هذا الاستضعافَ، ويُحيلُ مشقَّةَ الطريقِ إلى تمكينٍ ورفعةٍ عاجلًا أو آجلًا.

من القيادةِ إلى الرعيَّةِ.. مواقفُ صاغها التعويضُ الربَّانيُّ:
إذا تتبَّعنا مسارَ الرحلةِ بنظرةٍ تحليليَّةٍ، نجد أنَّ الجبرَ الإلهيَّ تدفَّق بترتيبٍ منطقيٍّ دقيقٍ، شمل القيادةَ، والصحبةَ، والرعيَّةَ، وحتَّى الأعداءَ. ويتَّضحُ ذلك جليًّا في أربعةِ نماذجَ حيَّةٍ:

أوَّلُها: جبرُ المأوى والسيادةِ للقيادةِ، أُخرج سيِّدُنا النبيُّ ﷺ من بلدٍ تآمرتْ على قتلِه، فجبره اللهُ ببلدٍ تلاحم أهلُه واستبشروا لاستقبالِه، وتبدَّلتْ حالُه من مُلاحَقٍ يطلبُ النصرةَ إلى قائدِ دولةٍ ونبيٍّ مطاعٍ تُبنى تحت لوائِه أُمَّةٌ جديدةٌ وعزَّةٌ شامخةٌ.

وثانيها: جبرُ الصحبةِ والتخليدِ للصِّدِّيقِ؛ بذل سيِّدُنا أبو بكرٍ مالَه ونفسَه وولدَه في خدمةِ هذه الرحلةِ، فجبر اللهُ خاطرَه بأن خلَّد ذكرَه وصفتَه في القرآنِ بلقبِ «صاحبِه»، وجعلَه الصدِّيقَ الأوَّلَ لهذه الأُمَّةِ، وصاحبَ المكانةِ الممتدَّةِ في ذريَّتِه.

وثالثها: جبرُ المؤاخاةِ والتعويضِ للرعيَّةِ؛ ترك المهاجرون الديارَ والأموالَ للهِ، فجبرهم اللهُ بالأنصارِ الذين ضربوا أروعَ أمثلةِ الإيثارِ الإنسانيِّ، ولم يمضِ غيرُ قليلٍ حتَّى فتح اللهُ عليهم خزائنَ الأرضِ، فصار فقراءُ الأمسِ هم سادةَ الدنيا وقادتَها.

ورابعها: تحوُّلُ المطاردةِ إلى بشارةٍ في نموذجِ سراقةَ؛ خرج سراقةُ بنُ مالكٍ يطلبُ النبيَّ ﷺ طمعًا في الجائزةِ (مئةِ ناقةٍ)، فساختْ أقدامُ فرسِه، وتحول من موقعِ القوَّةِ إلى موقعِ طلبِ الأمانِ؛ وهنا يجبرُه سيِّدُنا رسولُ اللهِ ﷺ ببشارةٍ تفيضُ باليقينِ: «كيف بك يا سراقةُ إذا لبستَ سواري كسرى؟»، ليتحوَّلَ الخوفُ إلى أمنٍ، والطمعُ في مئةِ ناقةٍ إلى وعدٍ بكنوزِ إمبراطوريَّةِ الفرسِ، وهو ما تحقَّق لاحقًا في عهدِ الفاروق.

المقصدُ الأسمى وأبعادُ الهجرةِ في واقعِنا المعاصر:

إنَّ الغايةَ الرُّوحيَّةَ والتربويَّةَ من قراءةِ الهجرةِ النبويَّةِ من منظورِ «الجبرِ الإلهيِّ» هي إسقاطُ هذه الدروسِ على واقعِنا المعاصرِ؛ لتدركَ النفوسُ أنَّ أفعالَ اللهِ سبحانه وتعالى وتدابيرَه كلَّها حِكَمٌ، وأنَّ المنعَ في ظاهرِه قد يكونُ عينَ العطاءِ في باطنِه.

فإذا أُغلقتْ في وجهِ الإنسانِ الأبوابُ، أو اضطرَّتْه الظروفُ إلى تركِ ما يحبُّ، أو أثقلتْ قلبَه همومُ الحياةِ وابتلاءاتُها، فإنَّ تفاصيلَ الهجرةِ تخبرُنا بأنَّ جبرَ اللهِ لا يتأخَّرُ، وإنَّما يأتي في ميقاتِه الإلهيِّ التامِّ. والأخذُ بالأسبابِ واجبٌ بشريٌّ نؤدِّيه بيقينٍ، لكنَّ الطمأنينةَ مرجعُها إلى «الجبَّارِ» الذي لا يتركُ صادقًا في محنتِه، بل يصنعُ من تفاصيلِ تلك الشدائدِ منطلقًا جديدًا للتمكينِ، والرفعةِ، وبناءِ الذات.
 

 

ترشيحاتنا