بعض القول

الوحدة الثقافية

حازم عبده
حازم عبده

بقلم: حازم عبده

قبل خمسة عشر عاماً جمعني لقاء بالمفكر والمستشرق الإسباني الكبير، الدكتور بدرو مارتنيز والذي كان أحد أساتذة جامعة القاهرة في خمسينيات القرن الماضي، وذلك  في رحاب مدينة قرطبة، قلب الأندلس وعاصمته الشامخة الثرية بتراثها الإسلامي الإنساني الفريد الذي صنعته الحضارة الإسلامية التي أضاءت ظلام أوروبا في تلك العصور، ودار بيننا حوار ماتع ونحن نتأمل تمثال «أفيروس» ابن رشد، وجدارية نقشت عليها بعض أبيات من رائعة ولادة بنت المستكفي «أغار عليك من نفسي ومني، ومنك ومن زمانك والمكان، ولو أني خبأتك في عيوني، إلى يوم القيامة ما كفانيِ».

اقرأ أيضا| حروب الأضاحي!

بعد نقاش طويل قال لي مارتنيز: أنتم تملكون كل شىء ولا تفعلون أي شيء فلغتكم، واحدة وثقافتكم واحدة، و قبلتكم واحدة، وتلك ثروات مهدرة، قلت له كيف؟ قال نحن في إسبانيا إذا أنتجنا منتجاً ثقافياً أو اقتصادياً لا نستطيع تصديره خارج إسبانيا، ولو إلى البرتغال المجاورة إلا إذا ترجمناه إلى البرتغالية، وكذلك فرنسا وإيطاليا المجاورتين عدا اختلاف الثقافة الاستهلاكية بحسب ظروف كل دولة، بينما لديكم تجدون ما ينتجه المغرب يمكن تصديره لاثنتين وعشرين دولة ناطقة بالعربية، فضلاً عن بقية الدول الإسلامية التي تجمعها الثقافة الواحدة والمعرفة بالعربية في كثير من البلدان.

نعم نحن نملك ونحاول أن نفعل، وإن كنا نعاني من بعض عقول علاها الصدأ، مازالت تحمل إرثاً استعمارياً بغيضاً قسم أمتنا و بلداننا شيعاً وأحزاباً وطوائف وحدوداً مصطنعة، ولكن المحاولات لا تتوقف، وأرى دوراً مهماً تضطلع به منظمة (الإيسيسكو) بقيادة مديرها العام الدكتور سالم المالك الذي شرفت بلقائه يوم انتخابه مديراً عاماً في المؤتمر العام للمنظمة عام 2019 في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، شمال مدينة جدة السعودية، لجعل الثقافة بحيرة عذبة تلتقي فيها شعوبنا العربية والإسلامية، فلا وحدة بلا ثقافة، ولا تعاون بلا ثقافة ترسخ التعاون والتقارب، وتدرك حتمية التكتل العربي الإسلامي الثقافي والاقتصادي، حتى وإن كانت الهوة واسعة على المستوى السياسي، فذلك لن يعطل وحدتنا الثقافية الماهدة للوحدة الاقتصادية والتقارب السياسي.

وضمن جهود الإيسيسكو المتواصلة  عقدت  المنظمة العديد من المؤتمرات والمنتديات لمناقشة حماية تراث العالم الإسلامي لاسيما في فلسطين التي تتعرض لهجمة شرسة من الاحتلال من أجل طمس معالمها العربية الإسلامية، دون اكتراث لأن التراث الإسلامي في فلسطين هو تراث إنساني حمايته مسئولية المجتمع الدولي بأسره. 
وأحسنت المنظمة في طرح  هذه القضية بشكل عملي لتفعيل دور الثقافة في العالم الإسلامي في مختلف القضايا الجوهرية والتنموية، ومنها دورها في مواجهة التغييرات المناخية، و تمكين المؤسسات الثقافية من الاضطلاع بدور محوري حيوي في هذا الصدد، وكذلك إدارة الممتلكات الثقافية وحمايتها من الآثار السلبية لتغير المناخ، وأيضاً دور الثقافة في تعزيز السلم المجتمعي. 

وتتحرك المنظمة بشكل عملي لخدمة الثقافة الإسلامية من خلال العديد من الاستراتيجيات والمبادرات واللجان ومنها: لجنة التراث في العالم الإسلامي، والمجلس الاستشاري للتنمية الثقافية، ومبادرة الإيسيسكو للحقوق الثقافية والحق في الثقافة، ووثيقة تعزيز استرداد الممتلكات الثقافية، ووثيقة مواقع التراث الإسلامي العالمي المعرضة للخطر، ووثيقة رقمنة المعاجم ثنائية اللغة، ووثيقة المعجم التاريخي المصور لفن الخط العربي، وبرنامج الإيسيسكو لعواصم الثقافة في العالم الإسلامي.