مع بداية موسم الامتحانات، وفي كثير من البيوت المصرية تدق ساعة الصفر، فالكتب والملازم مفتوحة، وهناك حالة طوارئ، فالأصوات العالية ممنوعة لعدم التشويش، ويصبح «الصمت والسكون» هما اللغة السائدة، ويُقدّم «كوب الشاي أو فنجان القهوة» مصحوبًا بالدعوات بتحقيق النجاح الباهر، وتُمنع الزيارات لعدم إضاعة وقت المذاكرة، وتجد على كل باب لافتة غير مرئية تقول «مرحبًا بك في أي وقت ما عدا هذا الوقت»، ويتحول البيت إلى التزام صارم، وتنفذ بكل دقة، ما يجعل البيت أشبه بجزيرة معزولة.

د. أحمد الشافعي : توفير بيئة آمنة للمذاكرة والبعد عن التوتر
يقول د. أحمد الشافعي، أستاذ علم النفس بجامعة حلوان، إن استقبال الامتحانات لا يجب أن يكون فترة «طوارئ» قصوى، بل هو مرحلة تحتاج إلى إدارة ذكية للذات، وتوازن بين الجهد العقلي والهدوء النفسي، معللا ذلك بأنه خلال فترة الامتحانات تصاب الأسرة بما يمكن أن نسميه «حقل القلق المُعدي»، فالطالب لا يواجه «قلق الامتحانات» بمفرده، بل كل من في الأسرة يواجه ذلك القلق.
وبذلك يتحول البيت بكامله إلى بيئة «محفزة للتوتر»، فنجد الأب خائفًا على مستقبل ابنه، فيكتم خوفه ويكبته بداخله محاولًا ألا يظهره، لكن قد يأتي الوقت الذي نجد فيه أن هذا الكبت قد تحول إلى صمت ثقيل، أو سلوك عصبي وردود أفعال عنيفة، كما نجد الأم تبالغ في الاهتمام بابنها، وعلى الطرف الآخر يلتقط الابن كل تلك الإشارات فيزداد قلقًا على قلقه.
ويؤكد أستاذ علم النفس، أن كل ذلك يؤدي لما يسميه علم النفس المعرفي «التشوهات المعرفية»، وهي أنماط تفكير غير دقيقة مبالغ فيها، تشوه إدراك الفرد للواقع، وتجعله يفسر المواقف بشكل سلبي، مما يسبب القلق الشديد والاكتئاب وانخفاض الثقة بالنفس، مشيرا إلي أن الخطورة هنا تكمن في أن تلك "التشوهات المعرفية" تصيب الأسرة بشكل جماعيز
ونتيجة لذلك نجد الكثير من الأسر تتبنى «التفكير الكارثي»، بمعني أنه في حال حصول ابنهم على مجموع أقل من المتوقع، تصاب الأسرة بالإحباط الشديد الذي يؤثر سلبا علي مستقبل الطالب. ويوضح د. «الشافعي» أن معظم الطلاب لا ينهارون بسبب صعوبة الأسئلة، بل بسبب الضغط الشديد الذي حمَّلته تلك الأسر إلى أبنائهم، مشددا على ضرورة تحويل القلق لطاقة إيجابية، لأن القلق «الطبيعي» قبل الامتحان مفيد لأنه يدفع للتركيز والاجتهاد.
اقرأ أيضا| الصحابة استخدموا وسائل للعدّ كالحصى والنوى والخيوط المعقودة
ويؤكد أن الخوف الحقيقي يكمن في القلق «المرضي»، الذي إذا تمكن من الطالب وأسرته فإنه يتسبب في إعاقة الأداء، لذا من المهم إقناع النفس وحثها علي تحويل التوتر إلى حافز، والابتعاد عن الأفكار السلبية، والتركيز على القدرات الشخصية والإنجازات السابقة، وتجنب الضغوط المحيطة، كما يجب على الأسرة توفير بيئة هادئة ومريحة، وعدم عقد المقارنات بين الطلاب، والتعامل مع الامتحانات كجزء من مسار تعليمي وليس مسألة حياة أو موت.
وينصح د. الشافعي، بضرورة التركيز على الفهم بدلًا من الحفظ المجرد، ومراجعة النقاط الأساسية بدلًا من محاولة استرجاع كل تفصيلة في اللحظات الأخيرة، موجها أيضا بضرورة التعامل مع لحظات النسيان بالهدوء والتنفس بعمق، لأن الخوف هو السبب الأول لعدم استرجاع المعلومة.
ويشدد على ضرورة الحصول علي قسط كاف من النوم، لمساعدة العقل علي تثبيت المعلومات، محذرا من السهر الطويل الذي يضعف التركيز.
مرحلة عبور

د. ملك أحمد : تشجيع الطالب على التعامل مع الاختبار بشكل متوازن
من جانبها تؤكد د. ملك أحمد، أستاذ مساعد علم الاجتماع ببنات عين شمس، أن موسم الامتحانات يمثل «مرحلة عبور» إجباري لا تختبر الطالب وحده، بل يعيد هيكلة «النسق الأُسري» بالكامل، فخلال هذه الفترة، خاصة إذا كانت شهادة الثانوية العامة، تتحول الأسرة جميعها من كونها «وحدة اجتماعية» مترابطة تدعم بعضها بعضًا، إلى كتيبة مجندة بالكامل لتحقيق هدف واحد، ألا وهو نجاح ابنهم الذي يخوض معركة الامتحانات.
وهنا يبرز بوضوح ما يسميه عالم الاجتماع «إميل دور كايم» بمعني «التضامن القسري»، حيث يصبح كل فرد في الأسرة في خدمة «طالبهم» ؛ فالأم تنتقل من كونها أمًا للجميع إلى شخص بدرجة «مشرف متفرغ» يقوم على طلبات من يخوض غمار الامتحانات، والأب يقوم بدور «المحفز والمشجع النفسي»، بالإضافة إلى تحوله إلى «ماكينة نقود متحركة» للدروس والملازم، وغير ذلك، أما الأخوة الصغار فيفرض عليهم «الصمت الإلزامي».
وتضيف د. ملك، أن سبب قبول الأسرة لهذا «التضامن القسري» هو ما يسمى في علم الاجتماع «رهان الحراك الجمعي المتصاعد»، والذي يعني باختصار اعتماد مجتمع ما أو مجموعة من الأفراد على الحركة الجماعية المنظمة لتحقيق تغييرات جوهرية؛ حيث ترى الأسرة المصرية أن الامتحانات خاصة شهادة الثانوية العامة مرحلة فاصلة بين ما قبلها وما بعدها، فهي بمثابة فرصة لتحقيق حلم الأسرة في «ابنها» وهو مستقبل أفضل، وذلك بالتحاقه بإحدى كليات القمة، مما يضع الطلاب وأسرهم تحت ضغط شديد جدًا.
وللتغلب على رهبة الامتحانات تنصح د. ملك بضرورة تغيير ثقافة «كليات القمة» لأن المجتمع يحتاج إلى «الصنايعي الشاطر» بقدر حاجته إلى الطبيب والمهندس، وتجريم الدروس الخصوصية مقابل رفع كفاءة المدرسة الحكومية فعلًا، مع القيام بحملات توعية للأهل أن «ابنك مش مشروعك الاستثماري» وأنه إذا فشل في الالتحاق بإحدى كليات القمة فهذا لا يعني وصمة عار اجتماعية.
وتؤكد أن فترة الامتحانات تتطلب دعمًا اجتماعيًا من الأسرة،وعلى كل فرد من أفراد الأسرة تهيئة بيئة هادئة تسمح بالتعامل مع الاختبار بشكل متوازن.
معركة كيميائية

د. حبيب كرم : التغذية السليمة السلاح السري للنجاح والتفوق
ويضيف د. حبيب كرم، أستاذ المناعة بكلية الطب، أن موسم الامتحانات معركة كيميائية تحدث في مخ الطالب، وسلاحه الأول هو جودة الطعام الذي يقدم له، مؤكدا أن أكبر جريمة غذائية هي التوجه إلى الامتحان بمعدة فارغة، لأن المخ يستهلك نحو 20% من طاقة الجسم، وجلوكوز الدم هو ‹›البنزين›› الذي يمده بالقوة، وبدون إفطار متكامل يشتمل علي بروتين.
ونشويات معقدة، و دهون صحية، ينخفض مستوى السكر سريعًا ويدخل الطالب في «ضباب دماغي» ينتج عنه نسيان، وتوتر، وعدم تركيز والنتيجة الحتمية لذلك هي نسيان إجابة سؤال ذاكره 10 مرات.
ويحذر د. حبيب من الكافيين، حيث يعتبره خدعة كبيرة، ففنجان قهوة واحد يجعل الطالب منتبهًا، لكن إذا زاد عن ذلك تكون النتيجة توترًا ورعشة وزيادة في ضربات القلب. والأسوأ من ذلك هو مشروبات الطاقة، فهي ترفع مستوى السكر في الدم، والبديل الذكي: الشاي الأخضر.
وينصح د. حبيب بتناول أوميجا 3 المتواجدة في الأسماك، وعين الجمل، وبذور الشيا، حيث تزيد تلك المأكولات المرونة العصبية وتعمل على تحسين الذاكرة طويلة المدى.
ويؤكد أن العقل السليم في الجسم السليم، والتغذية المتوازنة هي سلاح الطالب السري للنجاح والتفوق.
الأخذ بالأسباب

الشيخ محمود الجبرتي : ضرورة التحلي بالدعاء والثقة والهدوء
وينصح الشيخ محمود الجبرتى، أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء، الطلبة بضرورة استقبال الامتحانات بهدوء شديد، مع التركيز على الجمع بين الأخذ بالأسباب (الاجتهاد والمذاكرة) والتوكل على الله (الدعاء واليقين بالله). ويؤكد أمين الفتوي، أن المذاكرة وبذل الجهد واجب، لأن الإسلام يحث على العلم والإتقان، والامتحان وسيلة لقياس هذا الإتقان.
وبعد بذل الجهد، يجب على الطالب تفويض أمره لله واليقين بأن التوفيق بيده ويُستحب الدعاء لطلب التيسير والتركيز، داعيا الطلاب عند دخول الامتحان بترديد هذه الأدعية «رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا»، و«اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً».
وعند بداية الإجابة: «رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي»، وعند تعسر الإجابة: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».
ويضيف الشيخ الجبرتي، أن الإسلام حرم الغش تحريمًا قطعيًا في الامتحانات، ويجب على الطالب الاعتماد على فهمه ومعلوماته، وعليه استقبال الامتحان بهدوء، والثقة بالله، والتوجه بالدعاء إليه سبحانه بالنجاح والتوفيق. ويشير إلي أن الإسلام أمر بالأخذ بالأسباب كاملة: مذاكرة، اجتهاد، تنظيم وقت، سهر بإتقان، لقوله تعالى: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم».
فالطالب مأمور بالسعي 100%، لكن النتيجة ليست بيده، بل هي رزق مكتوب، مؤكدا أن هذا التوازن يحميه من مرضين: التواكل بأن يهمل المذاكرة ويقول «ربنا هيوفقني»، والقلق المدمر بأن يظن أن مستقبله كله متوقف على ورقة.
ويؤكد الشيخ الجبرتي، أن الأهل مأمورون بالدعاء والرحمة لا بالجلد. «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». والرعاية هنا يعني تهيئة جو هادئ، والدعاء بظهر الغيب، وتذكير الابن أن «ماأصابك لم يكن ليخطئك».



