الداعية الإسلامى د. رمضان عبدالرازق: الأزهر مصدر إشعاع إسلامى للعالم

جانب من الحوار
جانب من الحوار

التجربة المصرية رائدة فى تجديد الخطاب الدينى

الإلحاد «فيروس» يحتاج إلى تطعيم عاجل

الإسلام قائم على التعددية الفكرية.. والحرية مسئولية منضبطة

الذكاء الاصطناعي يدعو للكسل ويخلط «السم بالعسل»

أدعو لمواجهة الفكر بالفكر.. والميديا ساعدت في حملات الافتراء على الأديان

الداعية الإسلامى  د. رمضان عبدالرازق عضو اللجنة العليا للدعوة بالأزهر الشريف، نموذج للداعية المستنير، الهادئ، أحبه الناس ونال القبول فزادت شعبيته، ملأ الساحة الدينية فكرًا وعلمًا وفقهًا، ففي سنوات معدودة أصبح من مشاهير العديد من البرامج الدينية على القنوات المصرية والفضائية ومنها برنامجا «الدنيا بخير ولعلهم يفقهون».
يعدد  رمضان عبدالرازق من أنشط الدعاة ويتابعه أكثر من 3 ملايين شخص على مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة.. حاضر فضيلته بمعاهد إعداد الدعاة وعمل مدرسًا للعلوم الشرعية بالمعاهد الثانوية الأزهرية، كما عمل بمعاهد الدراسات الخاصة للوافدين بالأزهر الشريف، عمل عضوًا بالمركز الإعلامى بمكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وواعظ أول بهيئة الوعظ والإعلام الدينى بمجمع البحوث الإسلامية ومستشارًا دينيًا لمكتب الاستشارات الأسرية التابع لوزارة التضامن الاجتماعى، وهو عضو اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف من 2016 حتى الآن.

 يعمل «رمضان» إمامًا وخطيبًا بمسجد التلاوى بمدينة السادس من أكتوبر، حاضر وألقى الدروس الدينية فى مساجد مصر الكبرى ومنها مسجد عمرو بن العاص بمصر القديمة، ومسجد السيدة زينب ومسجد الحسين.. قدم العديد من البرامج الدينية فى العديد من القنوات التليفزيونية والفضائية، له العديد من المؤلفات التى أثرت المكتبة الإسلامية ومنها «تعدد فعل المكلف وأثره فى اختلاف الأحكام» و«صناعة الرجال» و«الموظف الأمين» و«بقلب سليم» و«رحلة الروح» و«روضة المحراب» و«الحقوق الإيمانية» و«صناعة الانتباه».

«اللواء الإسلامى» التقت الداعية الإسلامى د. رمضان عبدالرازق وهذا نص الحوار:

*ما تصورك لشكل الخطاب الإسلامى المعاصر الذى يجمع بين مقاصد الشريعة ويحقق مصالح العباد؟
** أرى أنَّ لدينا تجربة ، رائدة جدًا في تجديد الخطاب الدينى في بلادنا مصر بريادة الأزهر الشريف بإمامه الأكبر -حفظه الله- وبهيئة كبار العلماء وبوزارة أوقاف تعمل ليل نهار على ضبط الخطاب الديني وانضباط المساجد، وبدار إفتاء مصرية ترى الواقع وتفقه النصوص جيدًا، فالخطاب الدينى ممتاز وفيه تطور هائل جدًا، وفيه عودة إلى عمران المساجد وإلى القيم والأخلاق، فالخطاب الديني بالفعل بدأ يكون مواكبًا جدًا للعصر والواقع، ويرى الواقع جيدًا، حتى أنَّ المناهج الأزهرية حدث بها تطوير غير عاد وتنقيح للنصوص غير عاد، فبدأت تراعى منهج الحق من الخلق، وبنى على فقه نص مع فقه واقع مع تيسير، فالخطاب الدينى الآن فى مصر ثلاثي الأبعاد، يفقه النص مع رؤية الواقع ومبنى على التيسير، فبدأ الخطاب الدينى المبنى على العنف والمبنى على التصنيف والانحيازية، المبنى على العنصرية، والعصبية والتفسيق والتبديع يتراجع، فالخطاب الآن وسطى، وخطاب تنويري وتجديدي، ومن لا يرى التجديد فلاعين له.

اقرأ أيضا|الهجوم على السنة أولى درجات الطعن فى القرآن

* هل ترى أن هناك تناقضًا بين اكتمال الدين وثباته والاجتهاد والتجديد فيه؟
** إطلاقًا..فالله عز وجل عندما قال: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا» نعم الدين كمل كأصول وثوابت، فالدين الإسلامى مبنى على أمرين، ثوابت ومتغيرات، والثوابت أصول لا تتغير، فتوحيد الله عز وجل لا يتغير، الإخلاص لله لا يتغير، المراقبة لله لا تتغير، القيم والأخلاق والثوابت لا تتغير، إنما الذى يتغير هو المرونة فى العرض والطرح والمرونة فى دعوة الناس إلى الدين وفى رؤية الناس، فقديمًا كانت هناك رؤية دار إسلام ودار كفر، وهذا خطأ كبير جدًا، فالدنيا كلها دار إسلام، الدنيا كلها أمة إسلام، لأنها إما أمة إجابة وإما أمة دعوة، فأرى أنَّ العالم كله هو أمة سيدنا النبي، وينقسم إلى قسمين أمة إجابة استجابت وأمة دعوة ندعوها إلى الله تبارك، فالمسألة قائمة على هذه الرؤية.
* فى رأيك ما أسباب حملات التشويه التى يتعرض لها الإسلام وما تصوركم لنجاح هذه الحملات من عدمه؟
** لابد أن نعلم أنَّ هذه الحملات قامت منذ جاء النبي صلي الله عليه وسلم، قام بها الكفار والمنافقون، وهذه الحملات تعرض لها كل نبي أرسله الله عزوجل» وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا»(الأنبياء:36) «وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم»(هود:38) فمتى سلم الأنبياء ومتى سلمت دعوتهم، فهذه طبيعة، فالله عز وجل خلق الكون على ذلك، وهذه الحملات ربما تكون انتشرت أكثر وذاعت نظرًا لأمرين، الأول وسائل التكنولوجيا الذين يحسنون استخدامها من السوشيال ميديا والمنصات والإنترنت وغيرها من هذه الوسائل، وساعدهم على ذلك بُعد بعض المسلمين عن دينهم وربهم وعن العلم وعن حقيقة الدين الإسلامى، هذه الحملات ذاعت وانتشرت لهذين الأمرين، لكنها موجودة منذ بعث الله كل نبي، ومنذ بعث الله النبي محمد صلي الله عليه وسلم فحاربوه وشوهوا صورته وقالوا عليه مجنون وساحر وغير ذلك من الصفات، واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، لذلك أدعو إلى أن نغير هذا التشويه بالعمل والعلم وليس بالعنف والشدة، فالكلمة تجابهها الكلمة، والفكرة ضدها فكرة، لكن فكرة ضدها عنف فهذه كارثة، ولا أدعو إلى ذلك أبدًا.
تجديد وتطوير
* هل الدين يقف عائقًا أمام الحداثة والليبرالية التى تقوم عليها المدنية والحضارة الغربية كما يدعي البعض؟
** الدين الإسلامى دين يدعو دائمًا إلى التجديد والتطوير، وهو دين قائم على التعددية الفكرية، ما كان أبدًا ضد التنوير ولا ضد الحرية، لكن ليس عندنا في الدين - ولأ أظن فى أى شيء- حرية مطلقة، فما من حرية إلا وفيها مسئولية، وهى حرية منضبطة ومسئولة ومقيدة بقواعد وآداب، فحريتك تنتهى عند طرف أنفى، فالدين الإسلامى هو الذى دعا إلى الحرية الحقيقية، وهل جاء الإسلام إلا ليحرر العباد من عبادة العباد ومن عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وعبادة الله وحده هى قمة الحرية والعظمة والعزة أنه يجعلك لا تتذلل لغيرك وهل جاء الإسلام إلا لتحرير الإنسان، سواء كان تحررًا ماديًا أو تحررًا معنويًا، كما قال تعالى» فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة» (البلد:11-13) فك الرقبة من التذلل لغير الله، ومن العبودية لغير الله عز وجل.
تنقيح التراث
* كيف ترى أهمية تجديد الخطاب الدينى وما مفهومه من وجهة نظرك وأهم آلياته؟ وما رأيك فى تنقيح كتب التراث؟
** أرى أنَّ تجديد الخطاب الدينى موجود فى كل وقت وزمان وكل مكان، فمنذ أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم أوجد مصطلحات لم تكن موجودة في السابقين، وحدد النبي صلى الله عليه وسلم المقصد من هذا الدين فى كلمتين من القرآن الكريم، قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وديننا الإسلامى علمنا أنَّ الكون كله قائم على التجديد وقائم على التنوير، وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس مائة كل عام من يجدد لها أمر دينها»، نحن لا نجدد فى الثوابت، فالثوابت في ذاتها لا تجدد، وإنما نجدد في وسائل عرضها، فلابد أن يكون هناك تجديد في الدين، في عرض الخطاب الدينى، تجديد في دعوة الناس وآلياته قائمة على فقه النص وفقه الواقع والتيسير وأن أتعامل مع التراث بالمنهج الانتقائي، فلابد للتجديد فى الدين ألا يكون قائمًا على رفض كل القديم ولا قبول كل القديم، إنما أن نتعامل مع التراث بآليات المنهج الانتقائي، بمعنى أن نأخذ من هذا التراث ما يتناسب مع زمننا وما يتناسب مع القيم الجديدة، لكن أدعو لتجديد الخطاب في كل عرض له.

اقرأ أيضا|شيخ المجالس الحديثية د. أحمد معبد عبد الكريم: الطعن فى صحيح «البخاري» تشكيك فى العقيدة

* ما تقييمك لاستخدام الذكاء الاصطناعى فى مجال الدعوة؟
**  لابد أن يكون هناك حذر وقواعد لاستخدام(AI) الذكاء الاصطناعى، لأنه قد يخلط السم بالعسل، وقد يحدث خطأ في الآيات، وهذا موجود ، فلو لم يكن المستخدم لديه الثقافة التى بها يستطيع أن يميز بين الحق والباطل وما بين الصواب والخطأ ستكون لديه مشكلة كبيرة جدًا ، وهناك نقطة مهمة فلسنا في حاجة إلى اللجوء إلى الذكاء الاصطناعى فى كل شيء، لأن ذلك سيؤدى إلى الكسل، حتى السلوكيات نفسها فمن يستخدم الذكاء الاصطناعى كثيرًا سيأتى عليه وقت قد لا يجد صديقًا، لأمرين أولهما: الخضوع الكامل، ثانيًا الحضور الدائم، فمع التراكم والسلوكيات مع الذكاء الاصطناعى سنجد أن الناس بدأوا يميلون إلى الانعزالية التامة وتتقطع بينهم الأواصر، فاستخدامه سيكون فى حدود وبانضباط وتوازن وثقافة.
ألاعيب سياسية
* بماذا تفسر انتشار موجات الإلحاد بين الشباب وكيف نحصن شبابنا ضد الاستغلال الفكري ومحترفي ألاعيب السياسة؟
** أولا: انتشار الإلحاد جاء بسبب تطور آلياته القوية جدًا، فلبسوا ملابس ليست حقيقية، فهى ملابس زور، فدائمًا يلبس ثوب الحق وفى باطنه باطل، فهو متزين ومتلون وشعارات براقة، وفى الحقيقة أسوأ ما يكون، فلابد أن ننتبه لذلك، النقطة الثانية هى بعد الكثير من الشباب عن العلم، والقراءة والاطلاع، وديننا الإسلامى من أول سيدنا آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قائم على العلم والقراءة، فأول كلمة في الدين الذى أنزله الله على سيدنا آدم و«علم» ، وأول كلمة نزلت على سيدنا محمد «اقرأ»، فأكثر ما يحصن الإنسان العلم والقراءة، أيضًا نقطة ثالثة نحتاج إلى العودة إلى الدين الإسلامى وحقيقته وإلى وسطيته وإلى علماء الدين، أيضًا موجة الإلحاد قائمة على التقليل من قيمة العلماء، فلابد أن نعود إلى أن نعرف قدر العلماء، وقيمتهم، وعلى العلماء أن يحصنوا الشباب عن طريق حصر شبهات الملحدين والرد عليها ردًا جديدًا موجهًا ومؤصلا حتى نحصنهم ، فأنا أعتبر الإلحاد فيروس، وكل فيروس يحتاج إلى تطعيم، وهذا التطعيم عبارة عن فكر وثقافة وعلم.


* هناك  بعض الحالات أقدمت على الانتحار مؤخرًا..فما موقف الإسلام من ذلك؟
** لم يكتف الإسلام بالنهى عن قتل النفس بمعناه الظاهره فقط، بل دعا الإنسان أن يكون رحيمًا بنفسه في كل الأحوال، قال تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) ومفهوم قتل النفس لا يقتصر على إزهاق الروح فحسب بل يمتد إلى القتل المعنوى، الذى قد يكون أشد وطأة، ويتمثل في فقدان الثقة بالنفس، وضياع الطأنينية والاستسلام  للقلق واليأس، فهناك من يوئد نفسه نفسيًا، ليس بالدفن في التراب، ولكن بكسر روحه وإطفاء نور الأمل داخله، ولذلك أحذر من صور القهر النفسي المنتشرة فى المجتمع، فالإنسان قد يتعرض لإيذاء نفسي على يد الآخرين، مثل المعلم الذى يقهر طلابه ويقتل إبداعهم، أو من يعاير غيره بنقص أو مرض أو ابتلاء، فكل ذلك نوع من أنواع «الوأد النفسي» الذى يحاسب عليه الإنسان أمام الله، فلابد أن يكون الإنسان  رحيمًا بنفسه مهما كانت الظروف، فما الذى يدفع الإنسان إلى إيذاء نفسه، والنبي نهى عن ذلك بشدة، فقد جاء في الحديث أن من يقدم على إيذاء نفسه يعاقب على فعله، لكن مسألة الجنة والنار بيد الله وحده ، ولا يجوز للبشر أن ينصبوا أنفسهم قضاة على مصائر الناس، فلابد من الثقة بالله والأخذ بالأسباب، فالله عزوجل قادر على تغيير الحال، فما يراه الإنسان شرًا قد يكون في حقيقته خيرًا، وخير مثال على ذلك قصة سيدنا يوسف عليه السلام التى تعكس كيف يمكن للمحن أن تتحول إلى منح.
مهاجمة السنة 
** من آنٍ لآخر تظهر بعض الفئات التى تهاجم السنة النبوية وتسعى للتشكيك والطعن فيها ..فما ردكم على هؤلاء وهل الطعن فى السنة النبوية مخطط قديم؟
** الطعن فى سنة النبي صلى الله عليه وسلم مخطط قديم جدًا، منذ أنشأ غير المسلمين علم الوضع، وضع الأحاديث، فهذا مخطط قديم، لأنَّ الطعن فى السنة هو طعن فى الدين، لأنَّ السنة النبوية وهى المذكرة التفسيرية للقرآن الكريم، وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم هو التطبيق العملى للقرآن الكريم، فالطعن فى السنة طعن فى الدين كله، لو طعنا في السنة فمن أين نتعلم الصلاة، فالقرآن الكريم قال: «وأقيموا الصلاة، لكن لم يعرفنا هيئة الصلاة ولا عدد ركعاتها، الأمر الثانى لو طعنا في السنة فمن أين نعلم مناسك الحج، فالقرآن أمرنا بالحج ، لكن لم يبين لنا المناسك وسيدنا النبي قال: «خذوا عنى مناسككم» فلو طعنا فى السنة من أين نأتى بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، ثالثًا من أين أتى الطعن فى السنة، فهل نقول إنها لم تكن تُجمع أيام الرسول، لا بالعكس كانت تُجمع أيام النبي، وكُتبت أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ومكاتبات الرسول ورسائله إلى الأمراء والملوك سنة مكتوبة وما كتبه بعض الصحابة، وراء النبي صلى الله عليه وسلم سنة مكتوبة وصحيفة «الصادقة» لعبدالله بن عمرو بن العاص شاهدة على ذلك، فجمع السنة وكتابتها بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجة لأحد في الطعن فى السنة.
القضاء والقدر
* إذا كانت الطاعة والمعصية أو النعم والمصائب مقدرة فلماذا فرق الله بينهما فأسند الحسنة إليه سبحانه وتعالى وأسند السيئة إلى نفس العبد مع أن الجميع بقضاء الله؟
** أولًا لابد أن نفهم معنى القضاء والقدر، وهل هو قابل للتغيير أم لا، ولذلك نقول إنَّ القضاء والقدر خمس مراتب، هناك قدر أزلى (مكتوب فى الأزل) وقدر ميثاقي وهو مكتوب عند الله عز وجل، وهما لا يقبلان المحو ولا التغيير، أما القدر الثالث فهو القدر العمرى، الإنسان في بطن أمه جنين عندما بلغ أربعة أشهر أرسل الله ملكًا فكتب أربعة أشياء، الأجل والرزق والعمل وشقي أم سعيد، أما القدر الرابع فهو القدر السنوى، فى ليلة القدر «فيها يفرق كل أمر حكيم» والقدر الخامس هو القدر اليومى  «كل يوم هو فى شأن»، والقدر العمرى والسنوى واليومى تقبل المحو والتغيير، فلا تفعل المعصية وتقول إنَّ الله كتبها عليك، إطلاقًا، ولذلك هؤلاء القدرية كانوا موجودين قديمًا، وقد نسب الأمر إلى الله، لأنَّ الكل بإيجاد الله عزوجل، فالله عز وجل أوجد الخير والشر في الدنيا من أجل الامتحان والاختبار، وأوجد للإنسان الآليات على الاختيار، قال الله عزوجل « ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون» وقال تعالى» إن ربك لبالمرصاد فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن» (الفجر: 15-18).، فجعل الله الإكرام والإنعام ابتلاء، وجعل الله عزوجل تقدير الرزق وتضييق الرزق في بعض الأوقات أيضًا ابتلاء، فالخير ابتلاء والشر ابتلاء والمعصية ابتلاء والطاعة ابتلاء، العطاء ابتلاء والحرمان دواء، فالكل مبتلى،

فأما الإنسان إذا ما ربه فأكرمه ونعمه» وسيدنا سليمان لما وجد عرش بلقيس أمامه قال» هذا من فضل ربي ليبلونى أأشكر أم أكفر» فالكل ممتحن والكل مختبر، لكن الخير من الله والشر لا يكون إلا من النفس، ولذلك نسب الله الخير إليه، ونسب الله الشر إلى النفس وإلى الشيطان، لأن الله لايريد بنا شرًا ولا يريد بنا معصية ولا ألمًا» ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا» فالله أوجد داخل الإنسان كل ما يؤدى إلى الاختيار» « إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا». (الإنسان:3).
التعامل مع الفتاوى
*هل نحن فى حاجة إلى تطوير آليات التعامل مع الفتاوى ووجود منهج تنظيمى يليق بقيمة الإسلام؟
** أدعو أصلا إلى ضبط بقواعد وضوابط للفتوى، نضبط الخطاب الإفتائي في الإعلام ونضبط الخطاب الإفتائي في السوشيال ميديا ولا يقوم بالفتوى إلا المؤهل لذلك، فليس كل داعية يصلح للفتوى، وقد يكون داعية ممتازًا ويحسن عرض المعلومة ويحسن الكلام، لكن الفتوى لها آلياتها من رؤية النص في القرآن والسنة وقراءة الواقع جيدًا، ومعرفة مناط الفتوى، أى الربط بين النص وفقه الواقع ويسمى تحقيق المناط فمن منا يدرك ذلك إلا إذا درس أصول الفقه والفقه ومقاصد الشريعة، فلابد أن يكون هناك منهج تنظيمى منضبط جدًا يضبط المسألة وأن تكون الفتوى قائمة على الدليل من القرآن والسنة مع رؤية الواقع وفهم النص وتحقيق المناط، فكثير من الناس قد يعرف النصوص لكن لايستطيع أن يحقق المناط والربط بين النص والواقع، وهذا لايحسنه إلا من درس أصول الفقه والفقه ودرس مقاصد الشريعة الإسلامية وعنده رؤية كاملة ولديه لغة عربية قوية جدًا، حافظ لكتاب الله تبارك وتعالى، ولمقاصد الشريعة الإسلامية حتى يستطيع أن يفتى، فليس كل داعية يصلح للإفتاء فلا يفتى إلا من لديه آليات الفتوى، ولذلك أدعو إلى ضبط هذا الخطاب، لأنه للأسف الشديد لدينا مشكلات إفتائية تتكرر كل عام ولا تحسم، وفيها متسع، فمثلا زكاة الفطر كل عام يختلف الناس فيها هل تخرج مالا أم حبوب، وهذا له رؤيته وأدلته، وهذا أيضًا له رؤيته وأدلته، فنحن نحتاج إلى ضبط هذه المسألة القائمة على التعددية، وهل الحق يتعدد، قد يتعدد الحق فى بعض الأمور، فعندما قال الرسول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة، فتأخر ناس فصلوا بالمدينة وتوسط ناس فصلوا في الطريق وأنس وقفوا عند النص فلم يصلوا إلا في بني قريظة وأقر النبي الجميع، فقد تكون هناك فتاوى قائمة على التعددية فما المانع في ذلك، فما المانع أن يظل الأمر فيه متسع على الناس، لا ينكر هذا على ذلك ولا العكس، أيضًا ينبغي على من يتصدى للإفتاء أن يكون على علم بالقواعد الفقهية المنظمة لها.
* أخيرًا.. «الضرورات تبيح المحظورات» قاعدة فقهية جاءت للتيسير على الناس، ولكن هناك استخدامات خاطئة لها فهل لهذه القاعدة من ضوابط وشروط تحدد العمل بها؟
** نعم ..لأن أول ضابط لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات ضابط الضرورة تقدر بقدرها، وأيضًا لابد من معرفة الضرورة ثانيًا، لايكون على الإطلاق، ثالثًا: لابد من أن تكون ضرورة ملحة، رابعًا: لابد من أن نعرف ما معنى الضرورة، لأنها قد تكون حاجة من حاجيات ونظن أنها ضرورة من الضرورات، فليست على إطلاقها ولا تستخدم لهدم ثوابت الدين ولا تستخدم للاستمرار عليها، فلابد أن يحسن استخدامها وأن يكون من يتكلم فيها على علمٍ بها.

 

ترشيحاتنا