ضحوا.. أثابكم الله

الشيخ علاء الدين أبو العزائم
الشيخ علاء الدين أبو العزائم

بقلم: الشيخ علاء الدين أبو العزائم

الحمد لله الذي جعل لعباده مواسم الخيرات، وجعل الأعياد روافد رحمةٍ وتكافلٍ وعتقٍ للقلوب من ضيق الأنانية. ومن أعظم تلك المواسم سنة الأضحية: شعيرةٌ سنّها المولى جلّ شأنه تذكيرًا بنعمه، وتجديدًا لمعاني الصبر والفداء، وإحياءً للرحمة داخل البيوت وبين الناس. 

اقرأ أيضًا: استعدوا للحج

الأضحية في جوهرها ليست لحوماً تقدم للفقير فحسب، بل معنى يَستقر في القلب. إنها استحضارٌ عمليٌّ لمعنى التقوى حين يُقدَّم الغالي في سبيل الله، وتأكيدٌ لمعنى العبودية حين يُسخَّر المال لرضا الرحمن. لذلك ارتبطت سنتها بقصة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، في معنى التسليم واليقين: أن يثق العبد بربه حتى في لحظة الابتلاء.

كما أن الأضحية تحمل فلسفة اجتماعية عظيمة؛ فهي تُنزل النعمة إلى الأرض من خلال التوزيع: يأكل أهل البيت ويُهدى الأقارب ويَنتفع بها الفقراء. وهكذا تتحول النعمة من مجرد احتفاءٍ عابر إلى رسالة عدلٍ ومواساة.

وتجب الأضحية بحسب ما عليه جمهور الفقهاء على القادر الذي يملك نصابًا أو يجد سعةً تُتيح شراءها مع عدم الحرج. والأصل أن الأمر متعلق بالاستطاعة؛ فمن كان قادرًا وجبت عليه، ومن لم يستطع فله من الأجر بقدر نيتِه وحرصه على المشاركة ولو بغير مال. فإن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.

فيا أهل القدرة، إن التضحية بابٌ واسع للخير لا يضيق بكم. فمن لم يكن لديه مالٌ يشتري الأضحية كاملًا فليجمع مع أهل بيته ما تيسر، وليُحسن التخطيط في شراء السليم من بهيمة الأنعام، وليعلم أن إتقان الذبح والالتزام بالسنن يزيد الأجر.

وحري بالقادر كذلك أن يختار طريقًا منظمًا للتوزيع: قريبٌ محتاجٌ، جارٌ متعففٌ، أسرةٌ قليلةُ الدخل. فكم من فقيرٍ لا يمدّ يده خجلًا، والأضحية تفتح له باب الكرامة دون سؤالٍ ولا منّة.، والأضحية تُدخل السرور على الفقراء لأنها تجمع بين الطعام الحلال والشعور بالتقدير. وللفقير في العيد حاجتان: حاجةٌ للغذاء، وحاجةٌ لنَفحةٍ تُطمئن قلبه أن المجتمع لم ينسه. فإذا وصلته لحوم الأضاحي، شعر أن الفرح انتقل إليه، وأن الرحمة ليست دعوى.

ومن هنا نقرر مبدأً تربويًا: ليست الأضحية مجرد طقسٍ؛ بل صدقةٌ عظيمة بمعنى التكافل. من أطعم المحتاج في يوم شعيرةٍ عظيمة كتب الله له الأجر، ورزقه بركةً في ماله وأهله، وأصلح الله له قلبه.

ختامًا: اجعلوا الأضحية مدرسةً للتقوى، وذكرًا للرحمة، وجسرًا للمعروف. ضحوا أثابكم الله، فإن العبد إذا قرّب الغالي لله قربه الله إليه، وإذا وسّع على الفقراء وسّع الله عليه في الدنيا والآخرة. وكل عام وأنتم بخير.