في كل يوم يلقى الكثيرون ما يكفي لإطعام أسر كاملة في سلال القمامة، وقد ينفق أموالا على ما لا يحتاج، ثم يشكو من ضيق الحال وغلاء المعيشة. مفارقة صادمة تكشف عن خلل عميق في سلوكنا الاستهلاكي، وعندما يتحول الإسراف من عادة فردية إلى ظاهرة مجتمعية يتضرر الاقتصاد والصحة معا.. وفي ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي يواجهها العالم، لم يعد الحديث عن ترشيد الإنفاق مجرد رفاهية أو خيار شخصي، بل أصبح ضرورة حياتية وصحية واجتماعية.. فالإسراف لم يعد مرتبطًا فقط بإهدار المال، بل امتد ليشمل إهدار الموارد الغذائية والإضرار بالصحة، مما ينعكس سلبا على الفرد والمجتمع، وبسبب هذا السلوك، تتصاعد تحذيرات الأطباء من أمراض يسببها الإفراط فى تناول الطعام، ويدعو علماء الدين إلى الاعتدال ورفض التبذير، لأن الاعتدال في الإنفاق مبدأ أصيل في الشريعة، يجمع بين الحفاظ على الصحة وصون الموارد.
ورغم ذلك يبقى السؤال: لماذا كل هذا الإسراف رغم معرفتنا بالعواقب؟
فى هذا التحقيق تفتح «اللواء الإسلامى» ملف ترشيد الإنفاق، ليس فقط كحل اقتصادي، بل كضرورة إنسانية وصحية ودينية، في محاولة لفهم جذور المشكلة، والبحث عن طريق أكثر توازنا في حياتنا اليومية.
فى البداية يقول د. أحمد سمير خبير الاقتصاد أن مفهوم الإسراف يرتبط في أذهان البعض بإنفاق المال فقط، لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير.
فهو يشمل الإفراط في الطعام، وشراء ما لا حاجة له، وإهدار الموارد دون وعي، ولا تكمن المشكلة في القدرة على الشراء، بل في غياب ثقافة الأولويات، حيث تتحول الرغبات إلى احتياجات وهمية، ويصبح الاستهلاك هدفا في حد ذاته، ولا يؤثر الإسراف فقط على الفرد، بل يمتد تأثيره إلى المجتمع ككل، حيث يؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر، وارتفاع معدلات الفقر، واستنزاف الموارد الطبيعية، كما أن ثقافة الاستهلاك المفرط تزيد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وتؤدي إلى اختلال في توزيع الموارد.
خطر على الصحة
ويرى د. أحمد مسعد اخصائى الباطنة والكلى والسكر أن الإسراف في الطعام، خصوصا الغني بالدهون والسكريات، يؤدي إلى خلل في التمثيل الغذائي، مما يرفع من معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل: السمنة وزيادة الوزن وأمراض القلب والشرايين والسكري من النوع الثاني، علاوة على اضطرابات الجهاز الهضمي، محذرا من ظاهرة «الإفراط الموسمي» مثل ما يحدث في المناسبات، ومنها عيد الفطر حيث يزداد استهلاك الكعك والغريبة والبيتى فور بشكل كبير، وهو ما يرهق الجهاز الهضمي ويؤثر على كفاءة الجسم، كما أنه في كثير من المناسبات، خاصة الاعراس، يتحول الإنفاق إلى نوع من المبالغة، ويصبح الإسراف وسيلة للتفاخر أو المجاملة، وهذه الظاهرة تعود إلى ضغوط ثقافية، حيث يخشى البعض من الظهور بمظهر المقصر، فيلجأ إلى الإنفاق الزائد لإرضاء الآخرين.
الشراء العشوائى
وتؤكد د. فاتن النشاش خبيرة التغذية أن الإفراط في تناول الأطعمة السريعة والمصنعة يؤدي إلى خلل غذائي، حتى لو شعر الإنسان بالشبع، مؤكدة أن الجسم يحتاج إلى توازن دقيق بين العناصر الغذائية، وليس إلى كميات كبيرة، وتضيف أن من أبرز مظاهر الإسراف الغذائي شراء كميات كبيرة من الطعام دون تخطيط، ما يؤدي في النهاية إلى إهدار جزء كبير منها، وينصح بضرورة إعداد قائمة مسبقة للاحتياجات، والالتزام بها أثناء التسوق، لتجنب الشراء العشوائي، موضحة أن التوازن الغذائي هو المفتاح الأساسي للحفاظ على الصحة، وأن الإسراف لا يعني فقط الكمية، بل يشمل أيضا نوعية الغذاء، وننصح بتناول كميات معتدلة من الطعام، وتنويع الغذاء بين البروتينات والخضروات والكربوهيدرات، والالتزام بمواعيد منتظمة للوجبات، مشيرا الى أن الإسراف في شراء الطعام يؤدي إلى إهداره، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية وغذائية في آن واحد.
نقص الاحتياجات
وترى د. مها سليمان، خبيرة علم الاجتماع أنه لا يقتصر تأثير الإسراف على الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، فزيادة الاستهلاك تؤدي إلى ضغط على الموارد، وارتفاع الأسعار، وزيادة معدلات النفايات، خاصة الغذائية، كما أن الإسراف يعمق الفجوة بين الطبقات، حيث يعاني البعض من نقص الاحتياجات الأساسية، بينما يهدر آخرون كميات كبيرة من الطعام والمال. وتضيف خبيرة الاجتماع أنه لمواجهة هذه الظاهرة، يوجد مجموعة من الحلول العملية منها: التوعية من خلال نشر ثقافة الترشيد من خلال الإعلام والتعليم، وربطها بالقيم الدينية والصحية، والتخطيط المالي وووضع ميزانية شهرية والالتزام بها، مع تحديد الأولويات، والاعتدال الغذائي من خلال اتباع نظام غذائي متوازن وتجنب الإفراط، والاستفادة من الموارد وإعادة استخدام الطعام الفائض بدلًا من إهداره، وغرس قيم الاعتدال في الأطفال منذ الصغر، وأخيرا نؤكد أن ترشيد الإنفاق ليس مجرد سلوك مؤقت، بل هو أسلوب حياة يعكس وعي الإنسان ومسئوليته تجاه نفسه ومجتمعه. فالفرد الذي يعتدل في إنفاقه يحافظ على صحته، ويحقق استقرارًا اقتصاديًا، ويسهم في حماية البيئة.
دين الاعتدال
ويقول د. عبد الفتاح العوارى عضو مجمع البحوث الإسلامية وعميد كلية أصول الدين بالقاهرة الأسبق إن الدين الإسلامي يضع ضوابط واضحة للإنفاق، تقوم على التوازن بين الحاجة والاعتدال. فقد نهى الإسلام صراحة عن الإسراف والتبذير، حيث جاء في القرآن الكريم: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، كما ورد في السنة النبوية قول النبي ﷺ: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة»، وهو ما يعكس منهجًا متكاملًا في إدارة الموارد، مؤكدا أن الترشيد لا يعني الحرمان، بل تحقيق التوازن، حيث يجب أن يكون الإنفاق وسطا بين الإفراط والتقتير، لذلك نرى أن ترشيد الاستهلاك ضرورة شرعية، وأن الإسراف مذموم في القرآن والسنة، لما له من آثار سلبية على الفرد والمجتمع.



