بقلم: محمد دياب
"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"… نداء رباني عظيم وتوجيه نبوي كريم خُوطبت به أطهر نساء الأرض خلقاً وديناً، أمهات المؤمنين، حيث كان البيت لهن سكناً وموطناً للعزة وموضعاً للكرامة المصونة.
فالمرأة في جوهرها درة ثمينة وتاج يُصان وقيمة تُحفظ في القلوب قبل أن تُرى في العيون. وجودها رسالة حقيقية تُبنى بها البيوت وتنتظم بها حياة المجتمعات.
لم يكن هذا التوجيه دعوة إلى الانغلاق بقدر ما هو تنظيم للحياة وترتيب للأولويات حيث يصبح القرار في البيت عبادة تُؤجر عليها المرأة حين تستجيب لنداء ربها وتلتزم بما يحفظ لها مكانتها ويصون خصوصيتها، فالبيت موطن السكينة ومساحة تمنح النفس استقرارها وحين تخرج المرأة تخرج لحاجة في إطار من الضوابط التي تحفظ لها قدرها وتُبقي على تلك المسافة الراقية بينها وبين كل ما يُنتقص من قيمتها
الآية الكريمة وإن كانت خطاباً موجهاً لنساء النبي ﷺ، إلا أنها تحمل دلالة أوسع ترسم ملامح الرقي وتضع أساساً لمنهج يحفظ للمرأة مكانتها
"وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى"… توجيه يضبط المظهر،"وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ"… ضبطٌ للتفاصيل، "وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ"… صون للحضور
"فلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ"… حفاظ على الهيبة.
إنها منظومة متكاملة تصنع الارتقاء وتُرسّخه لكن المشهد في واقع اليوم يكشف عن اختلال واضح في بعض الصور حيث يغيب هذا التوازن وتتحول بعض السلوكيات إلى نمط يبتعد عن روح تلك التوجيهات خاصة في المناسبات والأفراح التي أصبحت في بعض حالاتها مساحة للاستعراض أكثر من كونها تعبيراً راقياً عن الفرح.
ومع هذا التحول تتبدل المفاهيم فيُطلب الاستقرار الأسري وسط مناخ لا يساعد عليه وتُرجى السكينة دون أن تُمهَّد لها أسبابها الحقيقية
غير أن بعض تجليات الواقع المعاصر تكشف عن فجوة متنامية بين ذلك المعنى الرفيع وبين ممارسات سلوكية أخذت تميل نحو الاستعراض على حساب الجوهر فتتراجع مساحات الاحتشام تدريجياً وتخفت ملامح الخصوصية تحت وطأة انكشاف متزايد في فضاءات المناسبات الصاخبة ولا سيما في بعض الأفراح التي انزاحت من كونها لحظات بهجة إلى مشاهد يغلب عليها طابع الانفلات الرمزي والشكلي.
وفي قلب هذا التحول تتكشف مفارقة عميقة الدلالة إذ يُطلب استقرار أسري ويُرجى ارتباط قائم على الصلاح والتوازن في حين تتآكل في الخلفية بعض البُنى القيمية التي يُفترض أن تمهّد لهذا الاستقرار وتؤسّس له. فالعلاقات الإنسانية في جوهرها تستند إلى منظومة متكاملة من القيم والسلوكيات بعيداً عن الرغبات والأمنيات المجردة بما يحقق التوازن ويمنح الحياة اتساقها واستمراريتها فالحياة المستقرة تُصاغ عبر منظومة قيم وسلوكيات تُمهّد المسار وتوازيها الأماني.
المرأة مهما بلغت من علم أو منصب تظل ركيزة الأسرة وصاحبة الدور الأعمق في تشكيل الوجدان داخل البيت نجاحها الحقيقي ينسجم مع طموحها ويكتمل به عند تحقق التوازن بينهما، "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"… رؤية متكاملة تعيد ترتيب الأولويات وتمنح الحياة معناها المتزن فتستقر البيوت على السكينة وتثبت القيم وسط ضجيج اللحظة.
ويبقى الأهم… أن يعود الفهم إلى نصوصه الصحيحة وأن تستعيد المجتمعات ذوقها العام فلا تضيع البهجة، ولا تفقد المرأة مكانتها ولا يتحول الفرح إلى مشهد يفتقد روحه.



