هل تتقدم إغاثة المحتاجين على «حج النافلة» ؟

الحج
الحج

بين فريضةٍ أوجبها الله مرةً في العمر، وواقعٍ اجتماعي يفرضُ مَدَّ يدِ العونِ للمحتاجين، تبرز قضية «تقنين الحج والعمرة» كواحدة من أهم القضايا التي تمسُّ فقه الأولويات في عصرنا الراهن، فبينما يطمح الملايين لتكرارالوقوف بعرفات وشد الرحال إلى بيت الله الحرام، تئنُّ فئاتٌ من المجتمع تحت وطأة المرض والعوز، مما يفتح الباب أمام تساؤلٍ شرعيٍّ وإنسانيٍّ ملحّ: هل إطعام الجوعى وعلاج المرضى أولى في ميزان الشرع من حج النافلة وتكرار العمرة؟ 
إن هذه الشعيرة، وإن كان ثواب النفقة فيها بسبعمائة ضعف، إلا أن الشريعة قيدته بـ «الاستطاعة» الشاملة، وبما أن الأصل فيها أنها «مرة واحدة في العمر» وما زاد فهو تطوع، فإن واقعنا الراهن يضعنا أمام «ميزان الأولويات»؛ فهل نكرر المناسك نافلةً، أم نقف بجانب مريضٍ يعجز عن ثمن الدواء وأسرةٍ أضناها الجوع؟
حول هذا المحور الهام، الذي يوازن بين حق الله في العبادة وحق الإنسان في الحياة الكريمة، قامت « اللواء الإسلامي» برصد آراء كبار علماء الأزهرالشريف والمختصين.

 

يؤكد د.غانم السعيد، العميد السابق لكليتي اللغة العربية والإعلام بجامعة الأزهر بالقاهرة، أن الفقه الإسلامي علم حي قادر على الموازنة بين الثوابت والمتغيرات، موضحا أن الشريعة ربطت أداء الشعيرة بميزان القدرة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، والاستطاعة هنا ليست مجرد القدرة البدنية بل تشمل الملاءة المالية والأمنية، وما يتصل بهما من اعتبارات، وقد قرر الفقهاء أن سقوط الوجوب ليس نقصا في الدين، بل امتثالا للمنظور الشرعي، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وأضاف د.غانم: إذا وجدنا أن الإقبال الكثيف على النوافل في ظل أزمات اقتصادية يؤدي إلى استنزاف الموارد، أو تعطيل مصالح أولى بالرعاية، فإن لولي الأمر – في الفقه الإسلامي – التدخل بالتنظيم والتقييد، لا منعا للشعيرة، بل ترشيدًا لأدائها، فإن تقنين الحج هو تقديم للواجب على النافلة، وتحقيق العدل بين الناس خاصة إذا أصبح التكرار حكراً على القادرين ماليا، بينما يُحرم غيرهم من أداء الفريضة.
ضوابط دقيقة
أما تقنين العمرة، فالأمر فيه أوسع، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح الفردية، مشددا علي ضرورة أن يكون التقنين مؤقتا بقدر الحاجة، وألا يتحول إلى منع دائم، وأن يُبنى على دراسات موضوعية، لا على تقديرات ظنية، وأن يُراعى فيه العدل والشفافية، وألا يُفتح باب الاستثناءات التي تُفرغ القرار من مضمونه. كما ينبغي التذكير بأن روح العبادة تكمن في صدق التوجه، وأن من عجز عن الحج أو العمرة لعذر معتبر، نال أجر النية كاملا. 
واختتم د.غانم السعيد بالتأكيد علي أن التقنين هو تطبيق مقاصدي يوازن بين حق الفرد وحق الجماعة، فالشريعة التي أوجبت الحج، هي نفسها التي رفعت الحرج، وقدمت المصلحة، وجعلت من فقه الواقع شريكا أصيلا في فهم النص وتنزيله.
أولويات الشريعة
وفي سياق متصل، وافقت د.فاطمة محمد محمد المهدي، أستاذ البلاغة والنقد وعميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بسوهاج، هذا الطرح، مشيرة إلي أن المشهد الإيماني العظيم للحجيج يوازيه مشهد مؤلم لجائع لا يجد قوت يومه، أومريض يعجز عن ثمن دوائه، أو غارم أثقلته الديون، وهنا يبرز سؤال ملحّ: هل الأولى تكرار النوافل أم إنقاذ هؤلاء؟، وهل يمكن الحديث عن «تقنين» للنوافل دون المساس بجوهر العبادة؟، مؤكدة أن الحج فرض عين لمرة واحدة، وما زاد فهو تطوع، مستشهدة بقول النبي ﷺ : «الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع».
واستطردت د. فاطمة في بيان فضل نفع الإنسان، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾. وقول النبي ﷺ: «في كل كبدٍ رطبة أجر»، وقوله: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، موضحة أن إطعام الجائع في أزمنة الشدة يُقدم على حج النافلة باتفاق كبار الأئمة كابن تيمية وابن رشد؛ واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على قاعدة واضحة وهي تقديم الواجب على النافلة، والنفع المتعدي على القاصر عند الحاجة، كما حسم الفقه المعاصر الجدل، حيث أكدت دار الإفتاء المصرية أن الإنفاق على المرضى والمحتاجين أولى من تكرارالنوافل، لأن إغاثة المحتاجين فرض كفاية بينما الحج المتكرر نافلة ولا يجوز تقديم النافلة على الواجب، و»فقه الأولويات» يقتضي تقديم الضروري علي التحسيني.
وبناء عليه، فإن الحج النافلة عبادة عظيمة لكنها قاصرة الأثر، وإطعام الجائع عبادة عظيمة ومتعدية النفع، وعند التعارض يقدم ما ينقذ حياة الإنسان ويحفظ كرامته.
وأضافت د.فاطمة المهدى قائلة: إن تكرار الحج في ظل وجود محتاجين قد يحرم المجتمع من فرص إنقاذ حقيقية، كان يمكن أن تُحدث فارقًا في حياة آلاف الأسر، متسائلة: هل تقنين الحج والعمرة حل؟، بدأت بعض الأصوات تنادي بـ«تقنين» أداء الحج والعمرة، خاصة النافلة، من خلال تقليل التكرار أو توجيه جزء من النفقات للأعمال الخيرية، وهذا لا يعني المنع، بل تنظيم الأولويات بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس وتحقيق التكافل وبناء مجتمع متراحم، فحين يتزاحم العملان، فإن ميزان الشريعة يميل إلى حيث تكون الحياة أولى، والرحمة أسبق.
حقوق العباد
واستعرض الداعية الإسلامي الشيخ محمد صابر، التفاصيل الفقهية التي تؤكد أفضلية الإنفاق على المحتاجين ، مبيناً أن المذاهب الأربعة اتفقت على ذلك، فعند الحنفية: تقديم الصدقة أيام الغلاء وضيق الأوقات أفضل لتعدي نفعها وتضاعف حسناتها، والمالكية: أفضل في سَنة المجاعة؛ لأن التوقي من إثم تضييع الفقراء مقدم على تحصيل أجر النافلة، كما نص الإمام مالك، وعند الشافعية: أولى؛ لأن الحج من حقوق الله المبنية على المسامحة، والصدقة من حقوق الآدميين المبنية على «المشاحة»، وعند الحنابلة: نص الإمام أحمد علي أن إطعام الجائعين لا يعدله شيء لأن نفعه عام ومتعدٍ.
واستشهد الشيخ صابر بقصة «عبد الله بن المبارك» الذي آثر التصدق بنفقة حجه علي عائلة محتاجة، وفضّل إحياء الأنفس على حج النافلة.
ويضيف الشيخ محمد صابر: «إن المسلم مسئول أمام الله عن ماله؛ من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وفي ظل الظروف الراهنة، تصبح المساهمة في تنمية المجتمع وعلاج المرضى فريضة اجتماعية تسبق رغبة الفرد في تكرار النوافل، فإننا بحاجة لترسيخ مفهوم «العمل الصالح» بمعناه الواسع، الذي لا ينحصر في الشعائر التعبدية فحسب، بل يمتد ليشمل كل يد تمتد بالخير لتخفف آلام الناس، فمصلحة الجماعة في فقه الإسلام مقدمة دائماً على نافلة الفرد. 
وأجمل الشيخ صابر حديثه بأن تقنين الحج يمنح فرصة عادلة لمن لم يسبق لهم أداء الفريضة، ويجسد جوهر التكافل الذي أمر به الحق سبحانه في قوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}.
مضاعفة الأجر
وشدد د. أحمد برج، أستاذ الفقه العام بكلية الشريعة والقانون بدمنهور ووكيلها الأسبق، على أن «العمل الصالح» في الإسلام لا يختزل في أداء الشعائر فحسب، بل هو مفهوم جامع لكل أثر نافع، ويوضح د.أحمد أن «إغاثة المحتاج» في الظروف الاستثنائية تسبق في رتبتها الشرعية «نافلة الحج»، قائلاً: «إن الإسهام في تنمية المجتمع ومساعدة الفقراء والمرضى والعاطلين عن العمل له الأولوية المطلقة على تكرار الحج والعمرة، فالمسلم الذي وسّع الله عليه في الرزق، يجب أن يدرك أن ما ينفقه ليس تفضلاً منه، بل هو «حق معلوم» أوجبه الشرع لتحقيق التوازن المجتمعي، عملاً بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا».
وأشار الأستاذ بجامعة الأزهر إلى أن ثواب الإنفاق في وجوه الخير خلال رحلة الحج أو توجيه نفقة النافلة للمحتاجين يتضاعف، مستشهداً بقول الرسول ﷺ: «من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»، موضحا أن الدعم لا يقتصر علي المال، بل يشمل المساندة البدنية لكبار السن، وهو ما يجسد جوهر العبادة الحقيقي».
وخلص د. أحمد برج في رؤيته التربوية لتنشئة الأجيال الجديدة إلي أن قوة الإيمان تُقاس بنفع الناس، فالدين المعاملة، وأن مصلحة الأمة هي المقصد الأسمى الذي تدور حوله أحكام الشريعة .

 

 

ترشيحاتنا