إجري الحوار :صابر رمضان
تصوير: عبدالمنعم ممدوح
بصمتٍ وقورٍ، وحضورٍ طغى على صخب المنصات، أعاد الدكتور جابر البغدادي - الأكاديمي المتخصص في التاريخ الإسلامي ووكيل الطريقة الجودية الخلوتية - صياغة المشهد الدعوي المصري عبر برنامج «دولة التلاوة»؛ لم يأتِ بشعارات حادة، بل جاء بقصيدة مديح ودرسٍ في «فقه الوداد». إنه حالةٌ روحية وفكرية تشكلت في أحضان التاريخ؛ فهو سليل الدوحة النبوية من جهة الإمام الحسن بن علي، وحفيد الإمام البوصيري صاحب «البردة»، وهو ما يفسر ذلك الوجد - أي الاستغراق الصادق في محبة النبي - الذي يمتلك ذاكرته ووجدانه حينما يتحدث.
فى مسيرة «البغدادي»، يمتزج العلم بالعمل؛ فهو ابنُ بنى سويف الذى نهل من علوم القرآن والسيرة، حتى أضحى صوتًا موثوقًا فى كبرى المؤسسات العلمية، من جامعة القاهرة حيث نال الدكتوراه بامتياز، إلى أروقة نقابة القراء والمشيخة العامة للطرق الصوفية. بـ(٢١) إجازة بالسند المتصل إلى النبى ﷺ، وعقلية أكاديمية تخصصت فى التاريخ الإسلامي، يضعنا «وكيل الطريقة الجودية الخلوتية» أمام معادلة صعبة: كيف نكون «متصوفة» فى منهجنا، و«حداثيين» فى أدواتنا، و«أصلاء» فى حبنا للوطن؟
من مؤلفاته «الإسلام مدرسة الحب» و«قمر الزمان»، إلى نشاطه فى مؤسسة «القبة الخضراء».. يظل جابر البغدادى جسرًا ممتدًا بين مدرسة التصوف السنى الأشعرى وتحديات العصر.
«اللواء الإسلامي» فتحت معه صفحات «مجالس النور» لنتأمل كيف يمكن لـ«الحب» أن يكون درعًا ضد التطرف، ولماذا يظل «الوداد» الحصن الأخير الذى نلوذ به لحماية وعينا من التفتت إلي تفاصيل الحوار:
• كيف تبلورت فكرة «مجالس النور» داخل مؤسسة «حى على الوداد»؟
مجالس النور تهدف إلى محاور أربعة: حماية الأوطان، نشر الوعى والفكر الوسطى الأزهرى السنى الرشيد، دعم الإنسان بما تقدمه المؤسسة من خيرات للناس من أفعال الخير والبر، ونشر سنة النبى العدنان صلى الله عليه وسلم. فقد انبنت فكرة «حى على الوداد» على أن تكون مجالسنا نشاطًا دعويًا يدعم حياة الإنسان ويدعو إلى وحدة الأوطان والحياة مع العدنان وطاعة الديان: «ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إننى من المسلمين».
• ما الغاية التى تسعون إليها من خلال هذه المجالس فى مواجهة الفكر المتطرف؟
الدعوة إلى الله مقصد شريف ما دامت قد خلت من الحزبيات والأهواء السياسية؛ فدعوتنا لا علاقة لها بأى سياسة، ولا تنتمى إلى أى جماعة، إنما هدفنا نشر الحب والمراحم. فهذه المجالس أداة قوة ناعمة تدافع عن مصر والعالم الإسلامى فى وجه العابثين الذين يكفرون الناس بغير علم، ونسعى لوصل المجتمع بالعلماء من أهل الوسطية والاعتدال لإحياء الضمائر واستعادة الروح المصرية المتدينة الأصيلة.
• هل أتت هذه المجالس بثمارها المرجوة؟
نحن نعتمد على العلم أصلًا وشريانًا، ومزجناه بالمحبة والتصوف والروحانية، فأصبح دعوة حية فى قلوب الناس. نادينا بها: حى على الوداد، ورفعنا راية التوحيد الخالص؛ فنحن مدرسة أساسها الحب الذى عُرفت به مصر بين بلاد الدنيا، مصر التى أحبت الرسول الكريم وآل بيته الكرام حبًا معتدلًا لا غلو فيه ولا تشدد. نحن نحب آل البيت بلا تشيع، وأقمنا السنة دون تطرف؛ فمنهجنا يقوم على الاعتدال، واتخذنا طريق الرحمة مسارًا لنا.
جوهر التصوف
• يرى البعض أن التصوف مخالف لأصل الدين، فكيف تحددون «التصوف الحقيقي»؟
عندما نعرف التصوف فلن يكون هناك خلاف؛ فهو قول الله تعالى: «وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا»، وهو «الإحسان»: أن تعبد الله كأنك تراه.
التصوف هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما فى أيدى الخلائق، وهو الحب والمرحمة وصلة الرحم، والدخول فى كل خلقٍ ثمين، والخروج من كل خلقٍ دنيء.
• كيف تتعاملون مع ممارسات البعض التى أدت إلى «انحراف شعبي» عن هذا المنهج؟
لا داعى أن نكفر ونبدّع ونتهم الناس؛ فالتصوف قانون، إذا خالف هذه القاعدة لا نعتبره صوفيًا، بل خارجًا على المنهج. ولا تحاسبوا المناهج بالأشخاص، إنما طالبوا الأشخاص بفقه المنهج؛ فالتصوف لم يكن دعوة للانعزال، بل دعوة للحياة والحب والأخلاق التى تصلح القلوب وتعمر الأرض. ومن زاد عليك فى الخلق فقد زاد عليك فى التصوف.
• ظاهرة «ادعياء التصوف» شوهت الصورة، فما ردكم على استغلالهم لـ»الكرامات»؟
الكرامة لا ينكرها أحد؛ فهى ثابتة بالقرآن، ولكن يجب التفريق بين «الكرامة» و»الاستدراج»؛ فالكرامة لا تكون إلا لصاحب الاستقامة. قال سيدنا عبد القادر الجيلاني: «الاستقامة خير من ألف كرامة».
لقد سأله أحد طلابه: «إنى أصحبك خمس سنوات لم أر منك كرامة»، فقال له: «هل رأيتنى لا أصلي؟ هل وجدتنى صائمًا فى رمضان؟». لذا، إذا رأيتم الرجل يطير فى الهواء أو يمشى على الماء وخالف حاله ما جاء فى الكتاب والسنة، فاضربوا به عرض الحائط؛ لأن الكرامة هى الاستقامة.
البناء الإقليمي
• الصوفى دائمًا ما يُتهم بالانعزال، فهل هذا الاتهام صحيح؟
الصوفى ابن وقته؛ فليس هناك شيء يسمى إن الصوفى ينعزل عن زمانه، بل لا بد أن يعيش قضايا زمانه. وأظن أن أكبر المصلحين الاجتماعيين كانوا من أبناء الصوفية؛ فصلاح الدين الأيوبى كان يميل إلى التصوف، وهو الذى فتح بيت المقدس، والإمامان أحمد البدوى وأبو الحسن الشاذلى شاركا فى الدفاع عن الوطن. فالطرق الصوفية الرشيدة هى مدارس لإطعام الطعام وكتاتيب لنشر الأخلاق.
• هل العقل الإسلامى اليوم أحوج إلى الأمن الفكرى أم الروحي؟
الأمن الروحى هو الأمن الفكري؛ فقد قال الله تعالى: «رب اجعل هذا البلد آمنًا»، فكيف نؤمِّنه؟ فقال: «واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام». فلو أن هناك مواطنًا سليمًا نفسيًا وروحيًا لما كان هناك شغب فى المجتمع؛ لأنه سيكون من «عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا»، فيتحقق فيه معنى الإنسان الكامل. فعندما يكون الإنسان متصفًا بالروحانية، فلا يمكن أن يخرّب فى الأرض، بل سيعمل على تعميرها.
• نعيش أزمة حادة فى الضمير.. كيف ترى «المشهد الأخلاقي» الراهن؟
نحن بالفعل نعيش أزمة ضمير، ومرحلة ماتت فيها قلوب كثير من الناس، فلا تعود تحل حلالًا ولا تحرم حرامًا، وأصبح كثير من الناس لا يخافون الله. ودائمًا علامات نهاية الزمان من علامات آخر الزمان. ولذلك فالتصوف دعوة لحياة الضمير، أو هو دعوة للحياة فى سبيل الله؛ لأن نعيش كما عاش النبي، ونرضى كما رضى النبي، ونقنع بما قنع النبي.
فالعبد فى حقيقته راضٍ بالقسمة، وعدم الرضا بالقسمة جعل الناس يسرقون، وعدم القناعة بالحكمة جعل الناس ينتحرون، وعدم الشكر على النعمة جعل الناس يجترئون على الذنوب.
قضايا الأمة
• ما أبرز أزمات التصوف الآن، وكيف تُعالج؟
أبرزها «التوريث»، فليس شرطًا أن يكون ابن الشيخ شيخًا. ومن الأزمات أيضًا عدم وجود أكاديمية تُخرِّج مقدمى الطرق؛ لذا أناشد المسؤولين العمل على وجود أكاديمية تُخرِّج صفًّا متعلمًا يجيد قراءة الواقع والتعامل مع العصر، مثلما ندرِّب الأئمة فى الأوقاف والأزهر.
• انتشار الإلحاد المعاصر بات مقلقًا، فسر لنا أسبابه وسبل الوقاية منه؟
أسبابه هى وجود جماعة من المتطرفين الذين صوَّروا الإسلام فى صورة جماعة يقتلون ويسرقون، والفهم الخاطئ لدروس الجهاد والقتال. ولعلاج ذلك لا بد أن نعود إلى نشر سماحة الدين، وأن نجتمع على ما اتفقنا عليه، وألا نُصدِّر معاركنا الجدلية للملأ؛ فكل شخص يفتح قناة وينتقد الكل على الملأ أصبح بؤرة خطيرة، بل يجب أن يكون النقد بالحكمة والموعظة الحسنة.
• تقييمك لجهود الأزهر فى مواجهة الفكر التكفيري؟
الأزهر حصن الإنسانية والوسطية، ويكاد يكون «سيف رسول الله» فى هذا الزمان، ولولا الأزهر لتهدمت قيم ومعانٍ كبرى؛ فهو العمود الفقرى للأمة. فالإمام الأكبر د. أحمد الطيب ورجال الأزهر قاموا بغزوة كبيرة صانوا فيها الأمة فى مرحلة التطرف ومراحل انهيار دول من حولنا.
مواقف حاسمة
• كيف ترى دور مصر والأزهر فى مساندة القضية الفلسطينية؟
لا أحد يزايد على مصر فى دعم القضية الفلسطينية؛ فموقف الرئيس السيسى ومساعيه كان نعم المفوض، حيث وقف وقفة حاسمة، وتكامل معه موقف شيخ الأزهر وعلمائه الذين لعبوا دورًا فى توعية المواطنين من خطر الفتن ومخططات التهجير. فمصر لم تكن غائبة عن القضية الفلسطينية أبدًا، بل كانت فى مقدمة الصفوف الأولى مدافعًا عن فلسطين؛ فالدفاع عن الأوطان من صميم الإيمان.
• يتردد تساؤل دائم: هل المشكلة فى الدين نفسه أم فى تدين الناس؟
المشكلة ليست فى الدين؛ فقد قال الله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم»، لكن المشكلة فى تدين المسلمين، وفى الممارسات والتطبيق الخطأ والفهم القاصر للنص. فما زالت كل فئة تريد أن تفرض على الأمة أن فهمها هو الصحيح، من غير أن نلتفت إلى الإجماع. ومما يميز الإسلام أننا أمة تختلف من غير خلاف؛ فالشافعى خالف مالكًا ولم يختلف معه، فديننا متسع.
• يطرح بعض العلمانيين فكرة تهميش الدين للارتقاء حضاريًا.. ردك؟
الغرب العلمانى وصل بالأسباب إلى ناطحات السحاب، لكننا حافظنا على قيمنا. هذه البلاد وصل فيها الإنسان إلى أن فتك ببطن المجرة، ثم جاء ينتحر. فمن صنع الكورونا وصل داخل مختبرات العلم إلى سلاح يقتل، ووصلنا فى مساجدنا إلى «رحم» يرحم؛ فأى تقدم لا يُبنى على دين ليس بحضارة.
آفاق عصرية
• كيف ترى توظيف الذكاء الاصطناعى فى مجال الدعوة؟
التكنولوجيا فرصة عظيمة لخدمة القرآن، لكن بشرط «الأصالة». فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبر، على جذع نخلة، فلما رأى أن هناك حاجة فى استعمال آلة «المنبر» ليسمعه الناس بطريقةٍ أفضل أمر بصنعه؛ وهذه إشارة إلى أننا لا نرفض التحديث بشرط ألا يخل بقيمنا.
• ماذا يمثل ظهورك فى برنامج «دولة التلاوة»؟
«دولة التلاوة» بصمة حضارية، وهجرة بالزمان إلى حضارة الوحي، فى خضم الفوضى التى نراها من محاولات تشويه صورة الشارع المصري. خرجنا بـ»دولة التلاوة» لنقول إن كل قرى مصر وشوارعها تعج بقراء القرآن، وتضع فى صدارة أولوياتها حماية الوعى الوطنى والقومى للمصريين وللمسلمين فى كل أنحاء العالم.
• وما تقييمك لمبادرات الدولة: «الكتاتيب، تصحيح المفاهيم، وتراث الإذاعة»؟
الكتاتيب كانت ولا تزال درة المدارس القرآنية التى تمثل رحمًا تربويًا أصيلًا، خرجت أجيالًا تجمع بين العلم والأخلاق والقيم. وتراجع دور الكتاتيب وطمسها سبب تراجعًا فى دور التعليم القرآنى الأصيل، ما أحدث فجوة بين السلوك العام فى الشوارع وقيم القرآن الكريم. فخرج كثير من أصحاب المهن والوظائف غير متقنين للقرآن وأخلاقه، فانعكس ذلك سلبًا على منظومة القيم الأخلاقية فى المجتمع؛ لذا أرى «عودة الكتاتيب» قرارًا صائبًا، لأنها رحم تربوى يحافظ على النشء من التطرف.
أما «تصحيح المفاهيم» فتأتى فى زمن الهرج لتحد من التطرف والتعسف، كما أن توجيه الرئيس السيسى بحفظ تراث الإذاعة هو «صدقة جارية» تخدم الوعى وبناء الإنسان المصري.
• ولماذا لاقى التصوف كل هذا القبول فى العالم الإسلامى رغم حملات التشويه؟
لاقى التصوف قبولًا واسعًا فى العالم الإسلامي؛ لأنه لم يكن يومًا أداة للغلو أو العنف، بل طريقًا للتهذيب الروحى وبناء الإنسان. وفى الوقت ذاته تبين للعالم زيف الجماعات التى تاجرت بالدين للوصول إلى السلطة، وأدرك الجميع أنهم لا يملكون مشروعًا إصلاحيًا، بل نشروا فكرًا مشوهًا.
لا علاج لـ«الإسلاموفوبيا» والتطرف إلا باللجوء إلى التصوف الرشيد الذى يبث الحب ويرسى دعائم الأخلاق.
• كيف يواجه التصوف الرشيد الأفكار المتشددة؟
لا علاج إلا ببث الحب فى الأحكام الدينية: «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة». ولى فى التصوف أربع كلمات:
أنا شافعيٌّ والصحاحُ مراجعي
أنا أشعريٌّ والعقيدةُ ديني
الحبُّ دينى والودادُ طريقتي
متصوفٌ وموحدٌ ورزين
وحبى لآل البيت صدقٌ ومنهجٌ
وسطيةٌ بالحب عن تمكين
والسنةُ الغراءُ وحيُ مناهجي
ومسلسلُ الإسناد لا التلوين.
نفحات روحانية
• ثمة علاقة وثيقة بين الإنشاد الدينى والتصوف.. كيف تصف هذه الرابطة؟
هى علاقة تكامل؛ فالإنشاد استخدمه النبى صلى الله عليه وسلم فى تحريك العزائم، كما فى حفر الخندق: «والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا»؛ فالسماع مسألة عظيمة عند الصوفية.
• كيف تصحح العقيدة المسار المجتمعى وتدفع نحو روح التسامح والتآخي؟
العقيدة الصحيحة هى سر سلامة المجتمع وضمان أمانه؛ فسيدنا إبراهيم عليه السلام كان يقول: «رب اجعل هذا البلد آمنًا»، وفيه دلائل قاطعة على أن فساد العقيدة يهدر الأمن القومي. ما دمنا نعمل على سلامة الاعتقاد فنحن وطن آمن؛ فالعقيدة الصحيحة تورث تسامحًا وتآخيًا يبتعد عن إقصاء الآخر.
• مواسم الطاعة (كرمضان) كيف نحولها إلى فرصة لتهذيب النفس؟
إذا نظر الإنسان إلى مواسم الطاعات على أنها «هدايا الله» فسيعبد الله شكرًا، والتصوف فى أسمى معانيه هو مقابلة نعم الله إليك بالذل والانكسار. وعلى الإنسان أن يغتنم هذه الأيام، وألا يغفل عن قول النبي: «اتقِ المحارم تكن أعبد الناس».



