في ظل التطور التكنولوجي الذي أصبح يسيطر على معظم جوانب حياتنا، صرنا نواجه تحديًا من نوع جديد لم يكن موجودًا من قبل، هذا التحدي يتمثل فى الضوضاء الرقمية وصخبها من خلال منصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، مما يضرب جوهر «سكينة النفس» الداخلية للفرد في مقتل، ويزيد من ضعف ترابطه بمحيطه الاجتماعي..
في التحقيق التالي نحاول نجيب عن السبل التي يمكن من خلالها استعادة تلك السكينة «المفقودة».
يقول د. أشرف مدحت مدرس علم النفس بجامعة القاهرة، إن الإفراط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، له من العواقب ما من شأنه أن يقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، الأمر الذي يؤثر على حياته اليومية، مثل المعاناة من قلة النوم بسبب السهر أمام تلك المنصات، وزيادة التوتر والقلق، وإرهاق العينين بسبب النظر فترات طويلة إلى الشاشة، بالإضافة إلى الأضرار النفسية بسبب وقوع الفرد في فخ مقارنة نفسه بالمنشورات المثالية التي يقرأها، مما يتسبب في شعوره بالنقص والاكتئاب.
كما أن ذلك يتسبب في ابتعاده عمن حوله من الأقارب والأصدقاء وفي المقابل فإن تنظيم الوقت والاستخدام المتزن لمنصات التواصل يخفف من أضرارها على مستخدمها وكذلك على الشباب، وذكر الله تعالى والاتصال الدائم به كفيل بأن يجعل الروح ساكنة مطمئنة، وأن الرضا والتسليم وطمأنينة النفس هي هبات إلهية، وأنوار ربانية تتنزل فى قلب العبد الذي يتقرب من خالقه تعالى.
طمأنينة داخلية
أما د. فادية عمر أستاذ علم النفس فتوضح: أن السكينة حالة عميقة من الطمأنينة الداخلية والهدوء والرضا، تتجاوز الظروف الخارجية وتتغلب عليها، وتُعرّف بأنها سكون القلب وهدؤه الذي يمنحه الله قلب من يريد من عباده، وتُعتبر تركيبًا نفسيًا يجمع بين الهدوء النفسي والشعور بالسلام الذاتي، وتأتي تلك الحالة من خلال اليقين، والحضور الذهني، والعبادات الصحيحة، وهي أساس قوي للتعامل مع ضغوط الحياة، بشكل يجعل الفرد لا ينزعج بسهولة عند مواجهة المشاكل، وعذا يكون منه شخصية متوازنة قادرة على مواجهة ضغوط الحياة.
التعامل المتوازن
ويؤكد الشيخ إبراهيم المحمدى أمين لجنة الفتوى أن التكنولوجيا من الأمور العظيمة والمفيدة للبشرية، لكن يجب علينا أن ننتبه بأن تكون فى خدمتنا لا أن تستعبدنا، وحتى لا نقع في فخها علينا أن نتعامل معها بحكمة، و نستخدمها باعتدال، حتى نستفيد من إمكاناتها الهائلة دون أن نصل إلى مرحلة إدمانها، مشيرا إلى أن الإسلام علمنا أن نتعامل بتوازن فى جميع مجالات حياتنا، فالاستخدام المتزن في جميع أمورنا يحفظ لنا الروح ساكنة مطمئنة، ويخفف من أضرار التكنولوجيا، والسكينة تنبع من الداخل بذكر الله، من النفس الراضية بقضائه، ومن الروح المتصلة بخالقها.
ويضيف الشيخ المحمدى أن هناك عوامل متنوعة لتحقيق السكينة فى أجواء الصخب الإلكتروني الذى يحيط بنا من كل جانب منها: الرضا والتسليم، والاعتقاد بأن السكينة هى حضور الخالق سبحانه فى القلب، وهذا يعنى أن القلب هو مركز الاتصال الرئيسى، والوعاء الأمثل للأنوار والأسرار الإلهية.
إذ يقول الله تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ).
ويوضح أمين الفتوى أن الحفاظ على السلام الاجتماعى مطلب ولن يتحقق إلا بالاندماج بالناس ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، ومساعدة الفقير والمحتاج منهم، وأن يكون لدى أي فرد إحساس بأهله ومشاغل وطنه، وهذا من شأنه أن يعيد الطمأنينة والسكينة للنفس والروح، ولذلك فنشر السلام والمحافظة عليه واجب إسلامى، خاصة ونحن نعيش فى عصر الثورة المعلوماتية والثورة الرقمية بكل ما تشتمل عليه من مزاياها، والتي امتدت إلى كل مناحى الحياة، فقد اقتحمت الخصوصيات، وفرضت واقعًا جديدًا على كل من يستخدم العالم الرقمي، فيما يمكن أن نسميه الهوس التكنولوجي بواسطة استخدام وسائل التواصل، فهذه المنصات الإلكترونية أذهلت الناس وأبعدتهم عن الترابط الأسري، وأفقدت البعض التماسك الاجتماعي الذى كان عنوانًا على الدفء الأسري.
أداء العبادات
ويرشدنا الشيخ محمد الجملى أمين لجنة الفتوى إلى السر الحقيقي للسكينة النفسية والذى يكمن في أداء العبادات بقلب حاضر، ونية صافية، فالله سبحانه لم يشرّع العبادات فقط لنجني ثواب الآخرة، بل جعلها سبيلًا لراحة القلب في الدنيا أيضًا. مؤكدا أن الصلاة، والذكر، والتسبيح، والدعاء، كلها طرق تؤدي إلى السكينة النفسية، وتساعدنا على مواجهة ضغوط الحياة، وتخفّف من وطأة القلق والتوتر، فتتحقق السعادة الحقيقية التي تنبع من الإيمان.
ويرى الشيخ الجملى أن التحول الرقمى أثر إيجابيًا وسلبيًا على حياة الناس، وعلى فكر وثقافة وسلوك المسلم، بسبب ما يراه وتتناقله هذه الوسائل بوسائل تدغدغ العقول، وتؤثر على المشاعر، مما تسبب في انصرافه عن أداء واجباته الأسرية والوظيفية وأعبائه الحياتية، إذ أصبح يستغنى بعالمه الافتراضى عن حياته الطبيعية واهتماماته اليومية، مما يتسبب في المشاكل الأسرية، وعدم استقرار الأمور العائلية داخل الأسرة، وبالتالي خلق حالة من عدم السكينة.
فعلينا جميعًا الابتعاد عن كل ما يبعدنا عن الرضا والتسليم، ولكن الطريق إلى تحصيل السكينة النفسية من العبادات ليس سهلًا، بل يحتاج إلى جهاد للنفس، ومراقبة دائمة، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)
ويؤكد أمين لجنة الفتوى أن مفهوم السكينة - بشكل عام - أنها حالة قلبية يشعر فيها المرء بالطمأنينة والثبات الداخلى، حتى فى أحلك الظروف والأوقات، وعلينا أن ننتبه إلى أن النفس تحتاج إلى تربية وتدريب، وإلا استسلمت للأهواء والشهوات.



