تأخر الزواج.. إزعاج أسرى

صورة توضيحية
صورة توضيحية

العنوسة واحدة من بين الظواهر التي باتت تزعج المجتمع في السنوات الأخيرة، بسبب ارتفاع المهور، وغياب الوعي، والتضخم الاقتصادي وغلاء المعيشة، نتيجة الظروف العالمية المحيطة بنا، بالإضافة إلى صعوبة توفير المسكن المناسب، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف أجور الشباب.
كما أن هناك أسبابا نفسية واجتماعية، تُضاف إلى هذه العوامل، التي عقدت الظاهرة، وجعلت معدلاتها تتزايد بشكل مضاعف، ولعل زيادة طموحات المرأة وتفكيرها المتزايد في الاستقلال المادي، زاد من حدتها.

 د. فتحية الحنفى: ظاهرة تحتاج لوعي مجتمعي
د. أيمن الزيني: الحل في خفض تكاليف الزواج والمهور 
د. علاء فاضل: التواضع في متطلبات الحياة يقضي عليها 
د. أمانى عبد المقصود: المبادرات المجتمعية سبيل لعلاجها

وهنا تفرض العديد من الأسئلة نفسها، هل تقبل المرأة أن تكون زوجة ثانية، أو تظل عانسا؟ وما مبررات القبول والرفض لكل منهما؟ 
فى البداية تقول د. فتحية الحنفى، أستاذ الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، إن ظاهرة العنوسة، أصبحت من الظواهر التي باتت تؤرق معظم الأسر المصرية، بعد تزايد معدلاتها بشكل كبير، واتجاه الكثير من الفتيات للقبول بفكرة أن تصبح زوجة ثانية للهروب من شبح العنوسة، مشيرة إلي قبولها ذلك، يحول الزواج لصفقة، ويخرجه من إطاره الذي جعله الله عز وجل ميثاقا غليظا، كما ورد في قوله جل شأنه» وكيف تأخذونه وقد أفضي بعضكم لبعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا»، مبينة أن عقد الزواج لابد أن يكون قائما علي الرضا والتوافق بين الجانبين،
والأصل فيه زوجة واحدة ، ومن أراد التعدد فعليه أن يلتزم بالضوابط التي وضعتها الشريعة، مثل عدم قدرة الزوجة علي الإنجاب، أو كونها مريضة مما يجعلها عاجزة عن أداء حقوق الزوجية، أو أنه مسافر ولا ترغب في السفر معه، إلي غير ذلك من الأسباب التي تبيح للزوج التعدد مع الإبقاء علي الزوجة الأولي، إلي جانب  التزامه بالعدل بينهما في المسكن والنفقة والمبيت، عملا بقول النبي صلي الله عليه وسلم «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما لا أملك»، والمراد به هنا الميل القلبي، أما الاختيار بين زوجة ثانية أم عانس فالأمر يعود إلي حال كل منهما، وهل يستطيع الزوج أن ينفق علي البيتين ويعدل بينهما، أم لا؟
وهل تقبل الزوجة الأولي، بأن تكون زوجة ثانية، في حال عدم تقصيرها في أداء الحقوق الزوجية له.
وتحذر د. فتحية من إقدام بعض الأزواج علي التعدد رغم عدم قدرته المالية، مما ينذر بعدم استقرار الحياة بينهما، وهو الأمر الذي يجعل الكثير من الفتيات التي تعمل يفضلن العنوسة، والانفراد بحياتهن دون تحمل مسئولية زوج يعتمد عليهن في المعيشة.
وتشير د. فتحية إلي أن علاج الظاهرة يحتاج إلي وعي مجتمعي وتخفيف المهور، وتيسير الزواج للشباب.
صراع حقيقي
ويؤكد د. أيمن رمضان الزيني، أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة طنطا، أن معظم الأسر الآن أصبح لديها فتاة علي الأقل دخلت في عقدها الثالث دون أن يطرق بابها خاطب، وهنا يطرح السؤال الصعب نفسه، هل تقبل المرأة أن تكون زوجة ثانية أم تفضل العنوسة؟ مبينا أن السؤال يختزل في طياته تناقضا اجتماعيا عميقا، ويكشف عن صراع حقيقي بين الكبرياء الاجتماعي، والواقع الاقتصادي القاسي والمرجعية الدينية الراسخة. وللإجابة عنه، لا بد من استحضار الأرقام، التي لو تطرقنا إليها نجد أن الظاهرة أخذت في التمدد، بل أنها تحولت من مجرد ظاهرة اجتماعية هامشية يتندر بها في المجالس، إلي أزمة ديموغرافية تحذر منها الجهات الرسمية. 
ويستعرض د. الزيني بعض إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي كشفت عن التزايد المستمر للظاهرة كل عام، وأن هناك ما يقرب من ١١ مليون فتاة يتجاوز أعمارهن الـ ٣٥ عاما ولم يتزوجن حتى الآن. موضحا أن هذه الأرقام تتفاوت تبعا للجغرافيا والبيئة الاجتماعية؛ حيث يحتل المجتمع الحضري المركز الأول في ارتفاع نسبة الظاهرة التي تصل إلى ٣٨٪ ، فيما تحتل المحافظات الحدودية المركز الثاني بنسبة ٣٠٪، تليها محافظات الوجه البحري بنسبة تصل إلى ٢٧٫٨٪ بينما سجلت محافظات الوجه القبلي نحو ٢٥٪ .
أما على صعيد المستوى التعليمي، فالصورة مثيرة للجدل؛ إذ رصدت البيانات تفوق الإناث الحاصلات على مؤهل جامعي فما فوق في نسبة العنوسة، بينهن ٥٫٨٪ مقابل ٤٫١٪ لمن يعرفن القراءة والكتابة،  وهذا دليل على أن التعليم، الذي يُفترض أن يكون بابا للفرص، صار في ظل الواقع المصري عائقا إضافيا أمام الزواج لدى شريحة واسعة من الفتيات.
ويبين د. الزيني أن عدد المطلقات، وصل إلى ٢٫٥ مليون مطلقة، حيث تشير الإحصاءات أن هناك ٢٤٠ حالة طلاق يوميا، أي بمعدل حالة طلاق كل ٦ دقائق، مؤكدا أن هذا الرقم يضيف إلى كتلة العنوسة الأصلية طبقة أخرى من النساء اللواتي ذقن مرارة الزواج ثم فقدنه.
ويضيف أستاذ القانون أن الإحصاءات ونتائج الدراسات، تكشف عن أهم أسباب انتشار الظاهرة، مثل غلاء المهور، وارتفاع تكاليف الزواج الناتجة عن العادات والتقاليد، وغلاء المعيشة، وصعوبة توفير المسكن المناسب، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف أجور الشباب .
كما أن هناك أسبابا نفسية واجتماعية تُضاف إلى هذه العوامل الاقتصادية، تزيد من ارتفاع معدلات العنوسة كل عام، خاصة مع تزايد طموحات المرأة وتفكيرها في الاستقلال المادي عن الرجل، مضيفا أن ارتفاع معدلات الطلاق خلق ما يشبه «فوبيا الزواج»؛ وفوبيا الطلاق التي تسيطر على كثير من الفتيات والشباب،وتجعلهم  يخشون الارتباط، وهو ما يستلزم تأهيلا نفسيا قبل الزواج .
ضوابط وشروط
ويوضح د. الزيني أن الإسلام لم يبح التعدد ترفا أو نزوة، بل أحاطه بمنظومة من الضوابط والشروط التي تجعله في حقيقته تشريعا اجتماعيا لمعالجة اختلالات واقعية، كما جاء في قوله تعالى في سورة النساء: (فَانكِحُوا مَا طاب لَكم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). مؤكدا أن التعدد في الإسلام، يعتبر إباحة مشروطة بتحقيق العدل والقدرة على الوفاء بالالتزامات الزوجية، وهو حل لكثير من المشكلات الاجتماعية كالعنوسة، وهو ما يتوافق مع ما ذهب إليه الإمام محمد عبده الذي يعد من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في قوله «إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل .  
وفي السياق ذاته، يرى الفقهاء أن وجود نساء ليس لهن أزواج هو من المصائب وفيه خطر، فكون المرأة تعطى نصف زوج أي يحصل لها نصف أو ثلث أو ربع - يعفها وينفق عليها ويحصل لها بسببه النسل، هو خير عظيم ومصلحة كبيرة ، وخير من بقائها في البيت دون زوج .
غير أن الفقه الإسلامي المعاصر يحذر كذلك من الإفراط في التعدد دون وعي؛ إذ أضاف الإمام محمد عبده أن «التعدد العاري من العدل يولد مفاسد جسيمة تقشعر منها الجلود.
باب ستر 
ويستطرد د. الزيني أنه على الرغم من الإباحة الشرعية الصريحة، فإن الثقافة المصرية تنظر إلى الزواج الثاني بعين الريبة والتوجس، وليس الزوجةُ الثانية وحدها من تعاني، بل الزوجةُ الأولى أيضا تحمل أعباء اجتماعية جسيمة، كما أنه في المخيال الشعبي المصري، ترمز «الضرة» إلى الغدر والإهمال والتقصير.
 وتتباين الفتيات في موقفهن من هذه المعادلة الصعبة وفقًا للبيئة والمستوى التعليمي والوضع الاقتصادي.
 فمن ابتليت بشبح العنوسة وأدركت أن الزمن يجري، قد ترى في الزواج الثاني بابا للكرامة والستر والأمان. 
ومن وجدت في العمل والاستقلال بديلا عاطفيا ومعيشيا، قد ترفضه رفضا قاطعا، بل وتفخر بعنوستها. 
وتابع أن صفحات مثل «عانس وأفتخر» و«سناجل ونفتخر» صارت منابر تعبِّر فيها الفتيات عمَّا بداخلهن، ويناقشن نظرة المجتمع إليهن. 
ويوضح أن مفهوم العنوسة يختلف من بيئة إلى أخرى؛ ففي المجتمعات البدوية وأهالي القرى، تُعدُّ كل فتاة تجاوزت العشرين عانسا، بينما في مجتمعات المدن يتجاوز ذلك إلى الثلاثين وما بعدها. 
ويؤكد د. الزيني أن العنوسة ليست مجرد قضية شخصية، بل تحمل تداعيات اجتماعية واقتصادية يصعب إغفالها. 
فتفاقم العنوسة يفضي إلى ظواهر غير مقبولة اجتماعيا ودينيا، كالزواج السري والعرفي بين الشباب في الجامعات، والإصابة بأمراض نفسية تؤدي إلى الإقبال على الانتحار، فضلًا عن إدمان المخدرات .
كما أن نسبة العنوسة في المجتمعات الحضرية المرتفعة يقابلها زيادة هائلة في عدد السكان في المجتمعات الفقيرة والبدوية، مما يهدد التركيبة السكانية في مصر ويزيد أعداد الفقراء والأميين بينما تتناقص أعداد المتعلمين.
 وهذا يعني أن أزمة العنوسة ليست بمعزل، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الاختلالات الديموچرافية والاقتصادية.
مشاركة مادية
ويرى د. الزيني أن الواقع يُظهر المرأة المصرية أنها تقف أمام خيارين كلاهما ذو كلفة نفسية واجتماعية، الأول: قبول الزواج الثاني وهنا تكتسب المرأة الزوج والأسرة والمركز الاجتماعي الذي يحميها من وصمة «العنوسة»، غير أنها تدفع ثمن الغيرة والمشاركة العاطفية والمادية، وتعيش تحت وطأة مقارنة دائمة مع الضرَّة.
أما الخيار الآخر فيتمثل في رفض الزواج الثاني وهنا تحتفظ المرأة بكرامتها وفردانيتها وبُعدها عن الصراع والتنافس، لكنها تستمر في مواجهة نظرة المجتمع التي لا ترحم، فضلا عن حرمانها من نعمة الأمومة والرفقة الشرعية، وتعرضها للانزلاق نحو علاقات غير رسمية في غياب البديل المشروع.
وعن مواجهة الظاهرة وكيفية التصدي لها يؤكد د. الزيني أن خفض تكاليف الزواج والحدَ من المغالاة في المهور والمصروفات الاجتماعية الترفية، هو بداية حل الأزمة، فضلا عن التخلي عن التكاليف الكبيرة وطلب المهور العالية ، وتوفير فرص العمل للشباب وتنميتهم ونشر الوعي بينهم، بالإضافة إلي التخلي عن المظاهر الكاذبة التي من شأنها أن تسهم في تراجع نسبة العنوسة.
 أما على الصعيد التشريعي، فيجب  وضع ضمانات قانونية للزوجة الثانية، لحمايتها، كما فعلت دولة المغرب، حين توجهت إلي وضع تشريعات تجعل التعدد  مشروطا بالحصول على تصريح من المحكمة ، إضافةً إلى موافقة الزوجة الحالية والمستقبلية.
أما على الصعيد الثقافي والتوعوي، فيوضح أن المرأة المصرية تحتاج إلى تحرير قرارها من أسر الضغط الاجتماعي، سواءٌ أكان ذلك الضغط باتجاه القبول أم الرفض، مبينا أن القرار في نهاية المطاف قرار شخصي، مشروطٌ بالوعي الكافي بالحقوق الشرعية والمدنية. موضحا أن المجتمع المصري في نهاية الأمر يقف أمام مفارقة حادة: 
ملايين الفتيات يعشن في وحدة لم يخترنها، ومنظومة اجتماعية تُدين الزواج الثاني وهي التي أنتجت ظروف العنوسة بغلوائها في التكاليف وسطحيتها في معايير الاختيار. 
والحل لن يأتي من تغليب طرفٍ على طرف، بل من إعادة صياغة العقد الاجتماعي برمته على أسس أكثر واقعية وعدلا، مبينا أن الفتاة التي تقبل أن تكون زوجة ثانية لا تتنازل عن كرامتها بالضرورة، والتي ترفض ليست عارية من الحكمة بالضرورة، مؤكدا أن الكرامة الحقيقية في الوعي الكامل بالخيارات، والقدرة على اتخاذ القرار بحرية بعيدًا عن إملاءات الضغط الاجتماعي من جهة، ووطأة الحاجة القاسية من جهة أخرى.
ويؤكد د. الزيني أنه ما لم تعالج أسباب العنوسة من جذورها، اقتصاديا، وثقافيا، وتشريعيا ، فإن السؤال سيظل يتردد في أرجاء البيوت المصرية: زوجة ثانية أم عانس؟.
 محور صراع
من جانبه يوضح د. علاء فاضل، الخبير الاجتماعي، أن العنوسة أصبحت ظاهرة اجتماعية نتيجة ارتفاع تكاليف الزواج وقلة العائد الاقتصادي للشباب مع إيماننا العميق بأزمة العنوسة في المجتمع  والدخول في صراعات عبر محاكم الأسرة. مبينا أنه في حالة تعدد الزوجات، سيصبح الزوج هو محور الصراع بين الزوجتين، وغالبا تفوز الزوجة الثانية، فتحاول تدمير أوضاع الزوجة الأولى وكذلك أولادها، ومن ثم يحدث شرخ كبير في جدار الأسرة ووحدتها.
وتابع أنه لا يرفض مبدأ تعدد الزوجات، بل يشجعه في بعض الحالات مثل مرض الزوجة الأولى أو عقمها، لكن ذلك مشروط بمراعاة وضعها والحفاظ عليها واستئذانها قبل الشروع في هذه الخطوة.
 مؤكدا أن الحل الأكيد هو تيسير الزواج والتواضع في متطلبات الحياة، وغيرهما من الأمور التي من شأنها القضاء على ظاهرة العنوسة والزواج العرفي، مثل المبادرات المجتمعية التي تتصدي للمغالاة في المهور، فحينئذ لن تجبر الفتاة على القبول بأن تكون زوجة ثانية.
فيما تشير د. أمانى عبد المقصود، أستاذ الصحة النفسية والإرشاد بكلية التربية النوعية بجامعة المنوفية، إلي أن المرأة في الدول العربيه تقبل أن تكون زوجة تانية وثالثة ورابعة، معللا ذلك خشيتها شبح العنوسة، وهروبها من الوحدة.
أما المرأة العاملة التى تشارك زوجها هموم المعيشة فيصعب عليها قبول فكرة أن تصبح زوجة ثانية، بل تفضل العنوسة علي ذلك.
وتؤكد أن علاج الظاهرة يحتاج لتكاتف مجتمعي، ووعي أسري، داعية إلي ضرورة تيسير الزواج وتفعيل المبادرات المجتمعية التي تدعو إلي خفض المهور، عملا بقول النبي صلي الله عليه وسلم أقلهن مهرا أكثرهن بركة.


 

 

ترشيحاتنا