موسمية العبادة!

 د. محمد عطا الأزهرى - د. عبد الجواد محمد عبد الجواد - د. حسين سعيد قنديل
د. محمد عطا الأزهرى - د. عبد الجواد محمد عبد الجواد - د. حسين سعيد قنديل

لم يكن رمضان يومًا مجرد تقويمٍ زمني يمرُّ في حيواتنا، بل هو ذلك «المحراب الكبير» الذي نخلع فيه أثقال الأرض، ونحاول فيه ترميم ما تصدع من أرواحنا المنهكة في ركضِ الحياة. لقد عشنا أيامًا تجلت فيها الرحمة في أبهى صورها؛ حيث المساجدُ العامرةُ بالأنفاسِ الخاشعة، والقلوبُ التي تحررت من قبضتها الدنيوية، وتلك السكينة التي غمرت بيوتنا حتى صار القرآن رفيقًا للمساء، والصدقةُ نهجًا للصباح. ولكن، بينما يتوارى هلالُ الشهر الكريم وتعود الحياةُ إلى إيقاعها المعتاد، يبرز السؤال: ماذا بعد رمضان؟

هل كان الشهرُ الكريم مجرد «هدنةٍ» مع النفس، نعود بعدها لممارسةِ صخبنا الدنيوي المعتاد؟ أم أننا كنا في معسكرٍ تدريبيٍّ حقيقيٍّ، يُفترض به أن يُشكل وعينا ويصقل ضمائرنا، لتمتدَّ آثارُه طوال العام؟ إننا اليوم نقف أمام «مفارقةٍ مؤلمة»؛ فبينما نرفض التراجع عن مستوى الرفاهية الذي اعتدناه في دنيانا، نجد أنفسنا في غاية «المرونة» والتهاون حينما يتعلق الأمر بثوابت آخرتنا.
إنَّ الفراغ الذي يتركه رحيل رمضان ليس فراغًا زمنيًا فحسب، بل هو «اختبارٌ وجودي» يضع إيماننا على المحك. 
هل نملك الجرأة لنحوِّل «النفحة الرمضانية» إلى «دستورٍ يومي»؟ أم سنظل أسرى لدورةٍ موسميةٍ تبدأ بالحماس وتنتهي بالفتور؟
في هذا التحقيق، لا نبحث عن وعظٍ تقليدي، بل نفتح حوارًا صريحًا وعميقًا مع كوكبةٍ من علماء الأزهر؛ لنبحث عن إجاباتٍ تعيد ترتيب الأولويات، وتضع أيدينا على خيوط «الاستقامة» التي تجعل من إيماننا نهجًا للحياة لا رهينةً للمواسم.
استهل د. محمد عطا الأزهري، مدرس العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، حديثه برصد ظاهرة «الفتور الإيماني» التي تلي الشهر الكريم، قائلًا: نشهد في رمضان صورًا مشرقة من الإقبال على الله؛ فالمساجد تمتلئ بالمصلين، خاصة في الفجر والتراويح، ويحرص الناس على قيام الليل في العشر الأواخر حتى تمتد الصفوف إلى الطرقات، وتنتشر موائد الرحمن التي تجمع بين الغني والفقير، وتتضاعف الصدقات والزكوات، وتزداد صلة الأرحام، ويكثر السفر لأداء العمرة، كما يعلو صوت القرآن في البيوت والمساجد، وتزدهر الدروس والمحاضرات. لكن المشهد يتبدل فور انقضائه؛ حيث تعود المساجد إلى الشكوى من قلة روادها، ويُهجر القرآن، وتتراجع الصلات الاجتماعية، وتختفي موائد الإطعام، ويقل حضور البرامج الدينية.
ويؤكد الأزهري أن الأزمة تكمن في «مقارنة صادمة»؛ فالإنسان حين يعتاد رفاهية الدنيا لا يقبل التراجع عنها، بينما يتراجع بسهولة عن ورد قرآني أو صلاة جماعة كان يواظب عليها، مشددًا على أن «الإسلام لا يحرم زينة الحياة، لكنه يدعو إلى التوازن، وأن يكون ابتغاء الآخرة حاضرًا في قلب المعادلة الدنيوية».
من جانبه، يشدد د. عبد الجواد محمد عبد الجواد، عضو مجمع البحوث الإسلامية، على ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، مشيرًا إلى أن الدنيا في ميزان القرآن متاع زائل، والآخرة هي دار القرار. ويطرح د. عبد الجواد روشتة استمرارية، أبرز معالمها:المسجد كمنهج حياة: يجب أن يتحول المسلم من زائرٍ للمساجد في المواسم إلى مُعمرٍ لها طوال العام، بالمداومة على الجماعة وحلقات العلم، لتعود للمسجد حيويته كما في العهد النبوي.
 أيضا تعاهد القرآن: فلا ينبغي أن يكون تعاملنا مع القرآن موسميًا، بل من خلال ورد يومي منتظم وتدبر عملي يحول الآيات إلى سلوكٍ يومي. بالإضافة إلى تزكية النفس: المداومة على الصيام النافلة بعد رمضان تعين على الانضباط السلوكي وتجديد الصلة بالله.
وأكد د. حسين سعيد قنديل، الواعظ بالأزهر الشريف، أن من ذاق حلاوة العطاء في رمضان لا يليق به أن يحصر بره في شهر واحد؛ فالمشاركة في أعمال البر والنفع العام تقتل رتابة الحياة، وتملأ الفراغ الذي قد يكون مدخلًا للشيطان.
ويضع د. قنديل ركنين أساسيين لتثبيت هذه الثوابت، هما:
أولًا: العلم المنهجي لترسيخ اليقين وإزالة الشبهات.
ثانيًا: مجاهدة النفس بحملها على الطاعة ومخالفة الهوى وتدريبها على الانضباط حتى في المباحات.
فالإقبال الكبير في رمضان علامة صحة في جسد الأمة، والغاية الحقيقية هي تحويل هذه «الحالة الموسمية» إلى سلوك دائم، ليمتد أثر رمضان في القلوب والواقع، محققًا التوازن الذي أراده الله لعباده بين عمارة الدنيا والاستعداد للآخرة.

 

ترشيحاتنا