حوار: صابر رمضان
بين انضباط «البيت العسكرى الذي صقل شخصيتها، ورحابة «المحراب القرآنى الذي شكل وجدانها فى أروقة الأسكندرية، صعدت د. نادية عمارة كنموذج فريد لداعية لم تأسرها القوالب الجامدة، فهي لم تكتفِ بالنشأة فى بيت قرآني، بل صقلت موهبتها بالدراسة الأكاديمية الرصينة، مقتفيةً أثر «إمام الدعاة» الشيخ الشعراوي فى رسالتها للماجستير، قبل أن تُتوج مسيرتها بالدكتوراة فى التفسير، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية التي اقتحمت الساحة الإعلامية بقوة العلم لا بمجرد الخطابة.
عبر منبرها الأشهر «قلوب عامرة» استطاعت «عمارة» أن تحول شاشات التلفاز إلى بيوت علمٍ تجمع بين البساطة والمنهج الوسطي المعتدل، متجاوزةً «أحكاماً مسبقة» حاصرت مظهرها فى البدايات، لتثبت أن «المعيار هو المنهج».
ومن عضوية اللجنة الثقافية بالمجلس القومي للمرأة إلى مؤلفاتها القيمة التي وازنت فيها بين «التقليد والتجديد»، ظلت قضيتها الأولى هي حماية الوعي وبناء الإنسان.
حاورنا د.نادية عمارة عالمة التفسير والمتخصصة فى الدراسات الإسلامية التي فتحت لنا «قلبها العامر»، لنتحدث معها عن اشتباكات التراث والتجديد، ومواجهة تحديات العصر، واستعادة بريق «دولة التلاوة» فى مواجهة أزمات الضمير، لنخرج منها بإجابات واضحة ترسم طريقا وسطيا يجمع بين فقه النفس وبصيرة العقل ويُعيد للدعوة النسائية هيبتها المنهجية.. وإلى نص الحوار :
كيف بدأت رحلتك فى طريق الدعوة، وماذا عن دور الأسرة فى هذا الغرس ؟
نحن بيت مصرى قرآني؛ والدى كان ضابطًا بالقوات المسلحة – رحمه الله – ووالدتى تربوية؛ اهتما بتعليمى أنا وإخوتى وتحفيظنا القرآن الكريم، ولدى ثلاثة أشقاء هم: «محمد ،أحمد ومصطفى»؛ نشأنا فى مجالس العلم بالإسكندرية؛ خاصة مجلس الشيخ ياسين رشدي؛ فصحبة العلماء كانت أساسية فى حياتنا، ومنهم أستاذى الشيخ اللواء أحمد طلبة الذى أجازنى فى القرآن، لقد غرس والدى فينا حب الدراسات الإسلامية والفكرية منذ الصغر.
من أبرز الشخصيات الذين تركوا بصمة فى تكوينك الفكري؟
والداى هما الركيزة الأولى ؛ فوالدى أستاذى الأول، ووالدتى معلمتى فى الفقه، كما تشرفت بالقراءة على يد نخبة من الشيوخ، فى مقدمتهم الشيخ أحمد طلبة بالإسكندرية، والدكتورة فاطمة صبيح، والشيخ فراج، وتلقيت الفقه عن الشيخ محمد مصطفى ضبش، والتصوف عن الشيخ عبد الرحمن محمد محسب فضلا عن التأثر العميق بأستاذى الدكتور مصطفى الصاوى الجويني.
واجهت فى بداياتك «أحكاما مسبقة» تتعلق بمظهر الداعية .. كيف تعاملت مع هذا التحدي؟
كانت معوقات غير عميقة؛ تتعلق بتركيز البعض علي «القشور» الشكل، فقد تمسكت بمظهرى الطبيعى والمنمق الذى نشأت عليه - كما تعودت فى بيت والدى ووالدتي؛ فوالدى كان رجلًا دينًيا، وفى الوقت نفسه يحب المظهر الحسن هو ووالدتى أيضا - ، وهو ما جعل البعض يحتار فى البداية: هل أنا داعية متخصصة فى الدراسات الإسلامية بالفعل أم مذيعة برامج دينية؟! وذلك بسبب ابتعادى عن الهيئة التقليدية أو اللون الأسود، الذى اعتاد الناس رؤيته فيمن يتصدر العمل الدعوي، لكن هذا اللبس لم يستمر طويلًا، فقد غلب العلم المظهر، وأدرك الناس أن المعيار هو المنهج العلمى والخدمة التى يقدمها الداعية لدينه.
الإنصاف
فى كتابك « قضايا المرأة بين التقليد والتجديد».. ما الرسالة التى أردت إيصالها؟
التأكيد على ضرورة مراجعة القضايا والفتاوى الخاصة بالمرأة، وفق منهج علمى رشيد؛ بعيدا عن «الظلم الاجتماعي» الممارس باسم الدين والإسلام منه بريء، فقد ناقشت قضايا شائكة فى كتابى خاصة بالمرأة مثل «الزى الشرعي، صوتها ليس عورة، ارتدائها للألوان والطرز، حقها فى التجمل والاعتدال والسفر دون محرم»، بهدف حماية النص الشريف من التأويلات الخاطئة.
هل علم التفسير«علم ذكوري»؟ وما ردك على تأويلات المتخصصين ؟
العلم للجميع، وليس فيه ذكورة أو أنوثة؛ فالقرآن لم يميز بينهما «علما وعملا»، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ).
ولقد بشر رسول الله ﷺ طالب العلم بالجنة وذلك بقوله: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع»، فلم يميّز الحديث بين الرجال والنساء، و«من» تشملهما بلا أدنى تمييز، كما أن السيدة عائشة – رضى الله عنها – علّمت كبار الصحابة؛ فالمعيار هو الاستعداد الجاد والاجتهاد.
كيف تقيمين تجربة الواعظات؟ وهل يعانين من «هشاشة الثقافة» ؟
هى فكرة رائدة تؤكد دور المرأة فى الدعوة، لكنها تحتاج إلى «رعاية منهجية» أكبر عبر لجان علمية تعد جيلا أكثر تميزًا، يتسلح بتقنيات العصر، وهى تجربة كغيرها تحتاج وقتا حتى تنضج.
الوعي
يرى البعض صراعاً بين التراث وتجديد الخطاب.. فكيف نفض هذا الاشتباك ؟
هذا الاشتباك «متوهم» وليس حقيقة؛ فالتجديد بمفهوم الأئمة هو الاجتهاد الذى يراعى خصوصية كل عصر وما يستجد فيه من نوازل ومستجدات، وقد فصل الإمام السيوطى هذه المعانى فى كتابه «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد فى كل عصر فرض»، لذ فلابد من الاستفادة من مناهج الأولين، وأدواتهم الأصولية دون التوقف عند مسائلهم التى كانت توافق عصورهم وظروفهم التاريخية.
فى رأيك.. كيف يسهم الإعلام الرقمى فى بناء الوعي؟
الإعلام الرقمى أهم وسائل التوعية فى العصر الحالي؛ لسرعة وصوله للأجيال الجديدة بمختلف المستويات الثقافية والمجتمعية، بالوسائل والتقنيات التى تضمن وصول المعلومة الصحيحة إليهم. وأيضًا لما يتميز به من سعة انتشاره فى شتى بقاع الأرض؛ وعلى ذلك فلابد من خلق بيئة من الوعى بمعناه الشامل، الذى يُحقق لهذه الوسيلة الانتشار بما ينفع ويبني، لا بما يضر ويهدم.
كيف يمكننا اليوم تقديم خطاب دينى متوازن يلبى احتياجات العصر ؟
لابد أن يتحدث الخطاب الدينى فى العصر الحالي «بلغة العصر»، عبر استثمار الإعلام الرقمى بشكل ورشيد ومبسط لضمان وصوله لأكبر قدر من المشاهدين، وأن يقتحم القضايا التى تمس الواقع المعاصر، كـ «الأمن القومي، التنمر، الإلحاد، واختلال منظومة الأخلاق»، فهدفنا هو بناء بيئة وعى شاملة.
الثوابت
الواعظة الافتراضية.. هل يهدد الذكاء الاصطناعى مستقبل الدعوة ؟
التكنولوجيا سلاح ذو حدين وتحدٍّ كبير إذا استُخدمت بشكل خاطئ؛ لكن الذكاء الاصطناعى مجرد «وسيلة بحث ميسرة» ولن يقوم مقام العنصر البشرى أبداً.
لمواجهة التطرف.. هل الأولوية للدين أم للثقافة؟ وما دور المجتمع المدنى ؟
نشر الفكر المستنير يتطلب مزيجاً من الثقافات والفنون التى تُنمّى العقل والروح؛ ولمؤسسات المجتمع المدنى دور مهم فى بناء الوعي، لكن النتيجة الحقيقية تتطلب «عمل منظومى متكامل» تشارك فيه الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، ودور العبادة.
هل التشكيك فى السنة هدمٌ للقرآن؟ ولماذا يُستهدف الإمام البخارى تحديداً؟
نعم .. فمن نقلوا السنة هم من نقلوا القرآن، والإمام البخاري «موجعٌ» لأعداء العلم لأنه يجسد قمة الانضباط المنهجي، وما نراه من نقد له هو نقد غير علمى ممن لا يفقهون فى العلم شيئاً.
المرجعية
ما رأيك فى ترجمة معانى القرآن لـ «العبرية» للرد على تشويه المستشرقين؟
العبرية لغة من اللغات، ويتكلم بها مجموعة من الناس؛ وترجمة القرآن الكريم للغات غير العربية من المسائل التى تكلم فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا، وهى من باب توضيح هدايات القرآن، فإن الجميع متفق على جواز ترجمة معانيه للغات أخرى، مع التنبيه على ضرورة الدقة عند نقل المعانى لضمان عدم ضياع المقصد.
هل التصوف الحقيقي «هو المخرج الآمن من فخ التطرف واللادينية ؟
التصوف هو مرتبة الإحسان وتزكية النفس، كما ورد فى حديث سيدنا جبريل عليه السلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وفى قوله تعالي (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).(الشمس١٠:٧)
دعنا نقول أن القائم منه على الكتاب والسنة ﷺ هو المخرج الآمن من موجات التطرف الدينى واللاديني «الإلحاد» على حد سواء.
كيف ترين دور «الأزهر» وإمامه فى مساندة القضية الفلسطينية؟
الدولة المصرية بمؤسساتها حجر الزاوية فى دعم القضية، والأزهر العريق، وعلى رأسه الإمام الطيب؛ لا يدخر جهدًا فى نصرة فلسطين عادلة بكل المستويات: توعويًا وماديًا ومعنويًا.
«صحح مفاهيمك» و«دولة التلاوة».. كيف تقيمين مبادرات وزارة الأوقاف؟
مبادرات مهمة نحتاجها بشدة لإبراز الصحيح والتحذير من القبيح، ولقد أعاد «دولة التلاوة» لمة العائلة أمام الشاشة، وجسَّد دور مصر الرائد فى علم التلاوة.
الاستقامة
كيف يتحقق التوازن بين «سعادة الدارين» الدنيا والآخرة ؟
الآية الكريمة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاَ) تأمر بالسير المتزن، فالمؤمن يعمّر الكون بما أنعم الله عليه ليصل إلى آخرة محمودة، فالمؤمنون محبون للحياة لأنها «مزرعة الآخرة»، ولا تضاد بينهما.
المشهد الأخلاقى به خلل.. هل المشكلة في «الدين» أم في «التدين»؟
المشكلة فيمن يظنون أنهم متدينون، وليست فى الدين، والخلل السلوكى ناجم عن غياب الوعى والرقابة الذاتية، فالناس تتشدق بالدين ولا تُحسن مراقبة الله فى السر والعلن.
ما أهمية «المسابقات القرآنية» فى حماية النشء من الانحراف؟
التنافس حول كتاب الله يخلق قدوة صالحة، ورعاية الدولة لهذه المسابقات تحفظ عقول الأطفال والشباب من الشطط والانحراف فى كافة المسارات.



